التربية الإسلامية : مقالات

جديد التدوينات

إعلان فوق التدوينة

إعلانك هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 31 يناير 2014

تفسير سورة الحجرات الدرس الاول

5:00 ص 0
تفسير سورة الحجرات (1)6629--3
(1) الأدب مع رسول الله
سورة الحجرات من سور القرآن العظيمة ، فإنها مع قصرها، وقلة عدد آياتها جاءت شاملة لأحكام وآداب وأوامر ونواه لا تجدها مجتمعة في سورة سواها.
وتشتمل السورة على كثير من حقائق العقيدة والتشريع والأخلاق، وقد جاءت آياتها كمنهج متكامل لمجتمع إسلامي، سليم العقيدة، نقي القلب، عف اللسان، مهذب الأخلاق، نقي السريرة مع الله .
مجتمع له أدب مع الله جل وعلا و أدبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أدبه مع نفسه ،و مع غيره .
مجتمع تصان فيه الحرمات ،و لا تتبع فيه العورات .
مجتمع رباه القرآن على يد من كان خلقه القرآن صلى الله عليه وسلم
التعريف بالسورة :
سورة الحجرات: مدينة، نزلت في العام التاسع الهجري
عدد آياتها: ثمانية عشر آية.
وسميت بهذا الاسم نسبة لحجرات النبي صلى الله عليه وسلم (والمراد حجرات نسائه ، وكان لكل واحدة منهن حجرة في مؤخرة المسجد النبوي.)
تفسير قوله تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ *إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيم ﴾ سورة الحجرات : 1 ـ 3
 
تناولت الآيات ثلاثة قضايا :
 
أولاً: تحريم الافتئات (التعدي )على الله والرسول
 
ثانياً: تحريم رفع الصوت والأمر بغضِّه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم
 
ثالثاً: النهي عن إزعاجه صلى الله عليه وسلم
 
أولاً: تحريم الافتئات (التعدي )على الله والرسول :
 
سبب نزول الآية :2454432_sobe3_com-700df3cff5
هذه الآيات نـزلت في أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما –
عن ابن أبي مليكة قال: "كاد الخيِّران أن يهلكا أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس رضي الله عنه ، وأشار الآخر برجل آخر، فقال أبو بكر لعمر - رضي الله عنهما -: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنـزل الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) (الحجرات: من الآية2)" البخاري
قال ابن الزبيرـ رضي الله عنه -: "فما كان عمر رضي الله عنه يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومن الواضح أن هذا السبب نزلت فيه الآيتان الأولى والثانية من السورة .
 
التفسير :
 
قال ابن مسعود إذا سمعت الله يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ فأصغ لها سمعك ؛ فإنه خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه.
ومن علامات السور المدنية أن يكون فيها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )
معنى {لا تقدموا } أصلها لا تتقدموا حذفت إحدى التاءين تخفيفا .
 
والمراد: لا تسبقوا الله ورسوله بقولٍ أو بفعل.
 
ومعنى {واتقوا الله} أي اتخذوا وقاية من عذاب الله - عز وجل - وهذا لا يتحقق إلا إذا قام الإنسان بفعل الأوامر وترك النواهي.
 
{ إن الله سميع عليم } هذه الجملة تحذير لنا أن نقع فيما نهانا عنه من التقدُّم بين يدي الله ورسوله، أو أن نخالف ما أمر به من تقواه .
 
{سميع } أي سميع لما تقولون
{ عليم } أي عليم بما تقولون وما تفعلون؛ لأن العلم أشمل وأعم، إذ إن السمع يتعلق بالمسموعات، والعلم يتعلق بالمعلومات، والله تعالى محيط بكل شيء علماً، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء
والمعنى : لا تتقدموا بهذه الآراء التي تختلفون فيها ﴿ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِه﴾ قبل أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم رأيه.
 
ولذلك لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن قال له: (بم تحكم؟
قال: بكتاب الله تعالى
قال: فإن لم تجد؟
قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: فإن لم تجد؟
قال: أجتهد رأيي
فضرب في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه أحمد وقال ابن كثير إنه جيد وضعفه الألباني .
 
هل هذا خاص بحياة النبي صلى الله عليه وسلم ؟
الصحيح أنه ليس خاصا، بل لا يجوز لأحد أن يتقدم برأي أو بأمر في مسألة إذا كان فيها نص، من كتاب الله تعالى، أو من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يقول: هذا رأي استحسنته ، والاجتهاد يكون لفهم النص (أي كلام الله وكلام رسوله)لا لرد النص ،وإذا لم تستوعب عقولنا الفهم الصحيح للنص نتهم عقولنا ولا نتهم النص .
 
وكذلك أيضا لا تقدموا حكمكم ولا رأيكم قبل أن تعرضوا الأمر على شرع الله تعالى .
ثانياً: تحريم رفع الصوت والأمر بغضِّه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم :
قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) الحجرات: من الآية2
معنى قوله: (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ)
أي لا تخاطبوه: يا محمد، يا محمد، ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله، توقيرا له وتعظيما  وما ذكره العلماء هو في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أما بعد وفاته فالأدب عند الكلام عنه فلا يقال قال محمد  ؛ حيث إن ذلك من الجفاء وسوء الأدب وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا .
قال ابن كثير: قال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته، لأنه محترم حيا وفي قبره صلى الله عليه وسلم وقد روينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟
ثم قال: من أين أنتما ؟
قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا.
ولما نزلت هذه الآية: ﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾
قصة ثابت بن قيس:
كان ثابت بن قيس بن شماس - رضي الله عنه - جهوري الصوت، فتغيَّب في بيته وصار لا يحضر مجالس النبي صلى الله عليه وسلم، فافتقده الرسول صلى الله عليه وسلم وسأل عنه فأخبروه أنه في بيته منذ نزلت الآية، فأرسل إليه رسولاً يسأله، فقال: إن الله تعالى يقول: { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون } .
 
وإنه قد حبط عمله، وإنه من أهل النار، فدعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فحضر، وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة، وقال: « أما ترضى أن تعيش حميداً، وتُقتل شهيداً، وتدخل الجنة؟ »  قال : بلى رضيت، فقُتل - رضي الله عنه - شهيداً في وقعة اليمامة، وعاش حميداً، وسيدخل الجنة بشهادة الرسول - عليه الصلاة والسلام –
وبعد أن استشهد ثابت في المعركة، مرّ به واحد من المسلمين الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام ورأى على جثمان ثابت درعه الثمينة، فظن أن من حقه أن يأخذها لنفسه، فأخذها..

".. وبينما رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه ؛فقال له: اني أوصيك بوصية، فإياك أن تقول: هذا حلم فتضيعه.

إني لما استشهدت بالأمس، مرّ بي رجل من المسلمين فأخذ درعي..

وإن منزله في أقصى الناس، وفرسه يستنّ في طوله، أي في لجامه وشكيمته؛وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل..فأت خالدا، فمره أن يبعث فيأخذها..
فإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله أبي بكر، فقل له: إن عليّ من الدين كذا كذا..فليقم بسداده..

فلما استيقظ الرجل من نومه، أتى خالد بن الوليد، فقصّ عليه رؤياه..
فأرسل خالد من يأتي بالدرع، فوجدها كما وصف ثابت تماما..

ولما رجع المسلمون الى المدينة، قصّ المسلم على الخليفة الرؤيا، فأنجز وصيّة ثابت..

وليس في الاسلام وصيّة ميّت أنجزت بعد موته على هذا النحو، سوى وصيّة ثابت بن قيس..

ومعنى الآية : لا تجهروا بالكلام الذي فيه شيء من الجفاء أو نحو ذلك؛ كما يجهر بعضكم لبعض، بل غضوا أصواتكم عنده، ولا ترفعوا صوتكم؛ فإن في ذلك شيئًا من الجفاء، وشيئًا من غلظ الطبع
 
فكانوا إذا تكلم أحدهم لا يكاد يُسمع النبي صلى الله عليه وسلم حرصا منهم على التأدب، وخوفا من حبوط الأعمال.
 
﴿ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ أي: لا تعلمون
 
( تحبط ) يعني: تبطل أعمالكم؛ بسبب رفعكم أصواتكم عند النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على عدم الاحترام له، وعدم الإصغاء إلى كلامه.
 
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) الحجرات: من الآية3
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -:لما نـزل قوله: ( لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ) تألّي  (حلف يمينا )أبو بكر ألا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار (كصاحب السرار أَي يكلمه بصوت منخفض )،فأنـزل الله في أبي بكر: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ ..... )
 
﴿ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ الامتحان : الاختبارأو بمعنى خلّص، فكما أن امتحان الذهب بالنار يخلصه من شوائب أي معدن آخر.
إذاً: قلوبهم أصبحت أوعية للتقوى، وليس في قلوبهم شيءٌ آخر قط غيرها، فطهرت ونقت، وتعطرت واستقبلت التقوى في تربة خصبة خالصة لا تشوبها شوائب أخرى.
 
﴿ لِلتَّقْوَى ﴾ أي: لتقوى الله تعالى؛ فلما امتحنها ظهر أنها ممتلئة بالتقوى، ودل على ذلك غضهم أصواتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدهم الله في هذه الآيات بقوله :
(لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾المغفرة: ستر الذنوب، وإزالة أثرها.
والأجر: الثواب الذي يحصل عليه المؤمن مقابل عملٍ عمله.
 
 
 
ثالثا: النهي عن إزعاجه صلى الله عليه وسلم
 
قوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ) الحجرات: من الآية4
سبب نـزولها:
قال ابن كثير: ذكر أنها نـزلت في الأقرع بن حابس التميمي رضي الله عنه فيما أورده غير واحد، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن الأقرع بن حابس "أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد يا محمد، فلم يجبه، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن حمدي لزين وإن ذمي لشين، فقال ذاك الله عز وجل .
 
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾
 
والحجرات جمع حجرة، وهي الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، فأصل كلمة الحجرة من الحجر والحجر المنع، وكل ما منعت أن يوصل إليه فقد حجرت عليه.
والمراد حجرات نساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان لكل واحدة منهن حجرة. ومناداتهم من ورائها يحتمل أنهم قد تفرقوا على الحجرات منادين عليه.
 
{ أكثرهم لا يعقلون  } يعني ليس عندهم عقل، والمراد بالعقل هنا عقل الرشد؛ لأن العقل عقلان: عقل رشد، وعقل تكليف، فأما عقل الرشد فضده السفه، وأما عقل التكليف فضده الجنون،
 
فمثلاً: إذا قلنا: يشترط لصحة الوضوء أن يكون المتوضىء عاقلاً مميزاً، فالمراد بالعقل هنا عقل التكليف
 
وإذا قلنا: يشترط للتصرف في المال أن يكون المتصرف عاقلاً، أي عقل رشد، يحسن التصرف
 
فالمراد بقوله هنا: { أكثرهم لا يعقلون } أي عقل رشد؛ لأنهم لو كانوا لا يعقلون عقل تكليف لم يكن عليهم لوم ولا ذم، لأن المجنون فاقد العقل لا يلحقه لوم ولا ذم، وهذا واضح، وقوله: { أكثرهم لا يعقلون } يفهم منه أن بعضهم يعقل وأنه لم يحصل منه رفع صوت، بل هو متأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
ثم يقول: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ يدل على أنهم ما صبروا؛ بل أخذوا يصيحون، ويكررون: يا محمد ؛ اخرج، يا محمد اخرج إلينا؛ يكررون ذلك؛ فدل ذلك على أن عندهم شيئا من الجفاء؛ لأنهم نشئوا في البوادي وفي البراري.
 
جاء في الحديث أن الذي يستأذن؛ يستأذن ثلاث مرات، ولا يزيد.
في الحديث: « إذا استأذن أحدكم ثلاث مرات فلم يؤذن له؛ فلينصرف » فيمكن أن هؤلاء كرروا الاستئذان: يا محمد يا محمد ، وهم يستأذنونه ويقولون: اخرج إلينا؛ فلذلك ما صبروا.
 
﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وعدهم بالمغفرة مع ما حصل منهم من هذا الجفاء، وذلك دليل على أن الله تعالى تسبق رحمته غضبه ؛ كتب على نفسه : « إن رحمتي غلبت غضبي »
 
 
 
 
وجوب الأدب مع العلماء
وهذا الأدب قد وعاه السلف حيث تجاوزوا به شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل شيخ وعالم من العلماء، احتراما لهم، حيث إنهم يحملون ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سنته.
لقد كثر المتعالمون في عصرنا، وأصبحت تجد شابا حدثا يتصدر لنقد العلماء وتجريحهم والتطاول عليهم ،وهذا أمر خطير، لأن جرح العالم ليس جرحا شخصيا، كأي رجل ، ولكنه جرح بليغ الأثر، يتعدى الحدود الشخصية، إلى رد ما يحمله العالم من الحق.
ولذلك استغل المشركون من قريش هذا الأمر، فلم يطعنوا في الإسلام أولا، بل طعنوا في شخص الرسول، صلى الله عليه وسلم لأنهم يعلمون - يقينا - أنهم إن استطاعوا أن يشوهوا صورة الرسول صلى الله عليه وسلم في أذهان الناس، فلن يقبلوا ما يقوله من الحق.
إذن، فالذي يجرح العالم يجرح العلم الذي معه.
ومن جرح هذا العلم، فقد جرح إرث النبي، صلى الله عليه وسلم وعلى ذلك فهو يطعن في الإسلام من حيث لا يشعر.
فيجب علينا أن نحفظ للعلماء مكانتهم، وفاعليتهم في قيادة الأمة، وأن نتأدب معهم .
ونحن نعلم أنه لا معصوم إلا من عصم الله وهم الأنبياء والملائكة ؛ وعلى ذلك فيجب أن ندرك أن العالم معرض للخطأ، فنعذره حين يجتهد فيخطئ، ولا نذهب نتلمس أخطاء العلماء ونحصيها عليهم.
وندرك أن الخلاف موجود ؛لذلك يجب أن تتسع صدورنا للخلاف بين العلماء  فلكل واحد منهم فهمه، ولكل واحد إطلاعه على الأدلة، ولكل واحد نظرته في ملابسات الأمور، فمن الطبيعي أن يوجد الخلاف بينهم
وينبغي أن نعرف أن عدم الأخذ بقول العالم، وأن مناقشته، والصدع ببيان الحق، يختلف تماما عن الطعن في العلماء
فالفرق بين الأمرين عَظِيمٌ جدا، يجوز لنا ألا نأخذ بالفتوى، إذا لم توافق الدليل، لكن لا يجوز لنا الطعن في العلماء.
  منقول من موقع الراشدون
اقرء المزيد

تفسير سورة الحجرات الدرس الثاني

4:59 ص 0
تفسير سورة الحجرات AWNOHN12
التثبت من الأخبار
قال تبارك وتعالى -: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا }
{ إن جاءكم فاسق } الفاسق هو من انحرف في دينه وعقيدته ومروءته،

وضده العدل وهو من استقام في دينه ومروءته

{ بنبإ } بخبر
{ فتبينوا } إن جاءنا بخبر فلا نقبله لما عنده من الفسق، ولا نرده لاحتمال أن يكون صادقاً.
وفي قراءة (فتثبتوا) وهما بمعنى متقارب .

فإن شهد له الواقع بالحق قبلناه لوجود القرينة الدالة على صدقه، و إلا رددناه .

وقوله - سبحانه وتعالى -: { إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } يفيد أنه إن جاءنا عدل فإننا نقبل الخبر، إلا إذا كان الخبر مستغربا ، أو انفرد به عن الناس ،أو كان هناك دلائل قوية تكذبه ، أو كان يخبر عن قوم بينه وبينهم شحناء ،أو عرف عن هذا الناقل- رغم صلاحه - التسرع والعجلة ،إلى غير ذلك من الأسباب والاعتبارات .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: وكثير من الناقلين ليس قصده الكذب، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم، وسائر ما به يعرف مرادهم قد يتعسر على بعض الناس، ويتعذر على بعضهم ) - انظر: منهاج السنة6-3030.).
وقال ابن القيم - رحمه الله -: صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، ثم قال: وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد  (انظر: أعلام الموقعين1-87.).
ولا ننس حادثة الإفك ورمي الصديقة بنت الصديق بالبهتان ،رمى ابن سلول الكلمة فتلقفتها ألسنة المنافقين ، بل ووقع فيها بعض من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم بين الله - عز وجل - الحكمة من كوننا نتبين خبر الفاسق فقال:

{ أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين }
يعني أمرناكم أن تتثبتوا كراهة أن تصيبوا قوماً بجهالة؛ لأن الإنسان إذا تسرع ولم يتثبت فقد يعتدي على غيره بناءً على الخبر الذي سمعه من الفاسق، وقد يكرهه، وقد يتحدث فيه في المجالس، فيصبح بعد أن يتبين أن خبر الفاسق كذب نادماً على ما جرى منه .

وفي هذه الآية دليل على أنه يجب على الإنسان أن يتثبت فيما ينقل من الأخبار ولا سيما مع الهوى والتعصب، فإذا جاءك خبر عن شخص وأنت لم تثق بقول المخبر فيجب أن تتثبت، وألا تتسرع في الحكم؛ لأنك ربما تتسرع وتبني على هذا الخبر الكاذب فتندم فيما بعد

وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ليجبي الزكاة من بني المصطلق، فلما أقبل إليهم لأخذ الزكاة استقبلوه في الطريق؛ فخيل إليه أنهم سيقتلونه؛ فرجع هاربا إلى المدينة وقال: منعوا الزكاة، وكادوا يقتلونني، فصدقوه، وهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزوهم ، وبينما هو كذلك إذ جاء وفدهم؛ وفد بني المصطلق، وقالوا: يا رسول الله، إننا استقبلنا رسولك، وإنه رجع بعدما قابلنا، فقال: هل منعتم؟
قالوا : ما منعنا وإنما فرحنا بقدومه فعند ذلك نزلت الآية
والصحيح الذي يليق بصحابة رسول الله عدم ثبوت صحة هذه القصة وقد وردت بأسانيد كلها ضعيفة (1)

وأهم ما يستفاد من الآيات
وجوب التثبت من280 الأخباروخطورة الشائعات



تتطوّر الشائعات بتطور العصور، ويمثّل عصرنا الحاضر عصراً ذهبياً لرواج الشائعات المغرضة، وما ذاك إلا لتطوّر التقنيات، وكثرة وسائل الاتصالات، التي مثّلت العالم قرية كونية واحدة، فآلاف الوسائل الإعلامية، والقنوات الفضائية، والشبكات المعلوماتية  (الانترنت ) َ تتولّى نشر الشائعات المغرضة، والحملات الإعلامية .
عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأدَ البنات، ومنعاً وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال " متفق عليه .
وإن من أولى الخطوات في مواجهة حرب الشائعات تربية النفوس على الخوف من الله، والتثبت في الأمور، فالمسلم لا ينبغي أن يكون أذنا لكل ناعق، بل عليه التحقق والتبيّن، وطلب البراهين الواقعية، والأدلّة الموضوعية، والشواهد العملية، وبذلك يُسدّ الطريق أمام الأدعياء، الذين يعملون خلف الستور، ويلوكون بألسنتهم كل قول وزور.
كيف عالج الإسلام قضية الإشاعة ؟7e266thut03i
عالج الإسلام قضية الإشاعة عن طريق ثلاث نقاط:
أ‌- النقطة الأولى: التثبت
.
و التثبت له طرق كثيرة؛ فمنها :
أ- إرجاع الأمر لأهل الاختصاص:
يقول الله تعالى: ( و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به و لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) النساء 83


قال الشيخ السعدي- رحمه الله -: ( هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم غير اللائق ، و أنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة و المصالح العامة ؛ ما يتعلق بسرور المؤمنين أو الخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا و لا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر ، بل يردونه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم ؛ أهل الرأي و العلم و العقل الذين يعرفون المصالح و ضدها.
فإن رأوا في إذاعته مصلحة و نشاطا للمؤمنين و سرورا لهم و تحرزا من أعدائهم : فعلوا ذلك.
فان رأوا ليس من المصلحة أو فيه مصلحة و لكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه )ا. هـ

فكم من إشاعة كان بالمكان تلافي شرها بسؤال أهل الاختصاص.

ب- التفكر في محتوى الإشاعة:
إن كثير من المسلمين لا يفكر في مضمون الإشاعة الذي قد يحمل في طياته كذب تلك الإشاعة، بل تراه يستسلم لها و ينقاد لها و كأنها من المسلمات.
و لو أعطينا أنفسنا و لو للحظات في التفكر في تلك الإشاعات لما انتشرت إشاعة أبدا.
لقد بين الله حال المؤمنين الذين تكلموا في حادثة الإفك فقال سبحانه: ( إذ تلقونه بألسنتكم و تقولون بأفواهكم ما ليس به علم )النور 15

(إذ تلقونه بألسنتكم )ومن البديهي أن الإنسان يتلقى الأخبار بسمعه لا بلسانه ، و لكن أولئك النفر من الصحابة الذين وقعوا في الإفك لم يستعملوا التفكير، لم يمروا ذلك الخبر على عقولهم ليتدبرا فيه، بل قال الله عنهم أنهم يتلقون حادثة الإفك بألسنتهم ثم يتكلمون بها بأفواههم من شدة سرعتهم في نقل الخبر و عدم التفكر فيه.


ب‌- النقطة الثانية: الناقل للإشاعة من الفاسقين.
في الآية السابقة يقول الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...) فجعل الله من نقل الخبر دون تثبت من الفاسقين.
فمجرد نقل الأخبار دون التأكد من صحتها موجب للفسق؛ و ذلك لأن هذه الأخبار ليس كلها صحيح، بل فيها الصحيح والكاذب، فكان كل من نقل كل خبرو أشاعه؛ داخل في نقل الكذب، لذا جعله الله من الفاسقين.
و قد صرح النبي بذلك كما في صحيح مسلم : (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع )
فالمؤمن لابد له من الحذر في أن يكون عند الله من الفاسقين  .

والعاقل يعلم أنه ليس كل ما يسمع يقال.
و لا كل ما يعلم يصلح للإشاعة و النشر.
وصح عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: "بئس مطية الرجل: زعموا" رواه أبو داود وغيره.

وأما إن كانت الشائعة صحيحة واقعة، لكن في إذاعتها مفسدة وأذى، فإن ذلك محرم أيضاً، خاصة إذا كان فيها أذية لمسلم وإضرار به، وتتبع لعوراته .
عن أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته" حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وأحمد.

ث‌- النقطة الثالثة: التفكر في عواقب الإشاعة:
و عودة مرة ثالثة للآية السابقة في سورة الحجرات يقول الله تعالى:

( أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )
هلا تفكرت في نتائج الإشاعة؟
هلا تدبرت في عواقبها؟
فاعلم أخي:
إن كل خسارة، كل هم و غم أصاب أخاك المسلم، كل أموال أهدرت بسبب إشاعتك التي نشرتها أو ساعدت في نشرها فلك نصيب من الإثم فيها.


حادثة الإفك :
ولعل من أشهره الإشاعات قصة الإفك، تلك الحادثة التي كشفت عن شناعة الشائعات، وهي تتناول بيت النبوة ، وتتعرّض لعرض أكرم الخلق على الله - صلى الله عليه وسلم -، وعرض الصدّيق والصدّيقة وصفوان بن المعطل - رضي الله عنهم أجمعين- وشغلت هذه الشائعة المسلمين بالمدينة شهراً كاملاً، والمجتمع الإسلامي يصطلي بنار تلك الفرية، وتعصره الشائعة الهوجاء عصراً،  حتى نزل الوحي ليضع حداً لتلك المأساة ، ويرسم المنهج للمسلمين عبر العصور للواجب اتخاذه عند حلول الشائعات المغرضة {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} 12  النــور
إلى قوله سبحانه: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} 16 - 17 النــور
وقد ورد أن أبا أيوب الأنصاري  قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس في عائشة، رضي الله عنها؟
قال: نعم، وذلك الكذب. أكنتِ فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنتُ لأفعله.
قال: فعائشة والله خير منك.
تقول عائشة - رضي الله عنها-: "فمكثت شهراً لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكتحل بنوم"، حتى برّأها الله من فوق سبع سماوات، - رضي الله عنها وأرضاها-.
كيف نتعامل مع الإشاعات :
لابد أن يكون هناك منهج محدد لكل مسلم يتعامل فيه مع الإشاعات، ونلخصها في أربعة نقاط مستنبطة من حادثة الإفك، التي رسمت منهجاً للأمة في طريقة تعاملها مع أية إشاعة إلى قيام الساعة :

النقطة الأولى: أن يقدم المسلم حسن الظن بأخيه المسلم، قال الله تعالى: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً) النور 12

النقطة الثانية: أن يطلب المسلم الدليل على أية إشاعة يسمعها يقصد بها الخوض في عرض مسلم أو مسلمة قال الله تعالى: ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء)النور13

النقطة الثالثة: أن لا يتحدث بما سمعه ولا ينشره، فإن المسلمين لو لم يتكلموا بأية إشاعة، لماتت في مهدها قال الله تعالى: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا)النور 16
النقطة الرابعة: أن يرد الأمر إلى أولى الأمر، ولا يشيعه بين الناس أبداً، وهذه قاعدة عامة في كل الأخبار المهمة، والتي لها أثرها الواقعي:قال الله تعالى:
( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا)النساء 83

فإذا حوصرت الشائعات بهذه الأمور الأربعة، فإنه يمكن أن تتفادى آثارها السيئة المترتبة عليها بإذن الله عز وجل.



(1) تحقيق هذه القصة :
قال الشيخ عبد الرحمن دمشقية:
بالرغم من أن أمر الله بالتثبت والتبين كان صريحا في قوله تعالى  :
(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين )الحجرات6.

فقد ورد في تفسير هذه الآية ما يخالف هذا الأمر الإلهي فيها من منهج التثبت والتبين.
فقد انتشرت في كتب التفسير روايات تصف (الوليد بن عقبة) أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه هو الذي نزلت في هذه الآية وأنه فاسق بالنص من القرآن.
يقول ابن كثير حمه الله وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الاَية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط, حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق, وقد روي ذلك من طرق ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق, وهو الحارث بن ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق, حدثنا عيسى بن دينار, حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه.. )الحديث.
وهذا السند الذي قال عنه ابن كثير بأنه من أحسنها هو سند ضعيف.

فإن في السند محمد بن سابق. ضعفه ابن معين ووثقه العجلي.
وقال يعقوب بن شيبة (ثقة لا يوصف بالضبط).
وقال الحافظ عنه في التقريب ( صدوق).

ودينار وهو والد عيسى ذكره ابن حبان في الثقات مع أن ابنه عيسى هو من المجاهيل.
فالرواية إذن ضعيفة بالرغم من أنها أحسن الموجود.

ورواه ابن أبي حاتم والطبري في تاريخه (11/383) عن المنذر بن شاذان التمار عن محمد بن سابق به. وفيه موسى بن عبيدة الربذي وجهالة ثابت مولى أم سلمة. ولا يعرف لأم سلمة مولى إسمه ثابت.
وبهذا تعجب من قول الهيثمي بأن رجال الرواية ثقات مع جهالة عيسى هذا وجهالة ثابت المولى المزعوم لأم سلمة.

ورواه الطبري أيضا وكذلك البيهقي في سننه (9/54) من طريق العوفي عن ابن عباس. وهذا إسناد مسلسل بالعوفيين والعوفيون ضعفاء كما هو معلوم.
كذلك أورد ابن كثير أقوالا لمجاهد وقتادة وابن أبي ليلى. وكلها روايات مرسلة وهذه المرسلات لا تصلح لإثبات تهمة الفسق على صحابي فإننا لا نقبلها في أحكام الطهارة ولا الصلاة. فكيف نقبلها في جرح خير هذه الأمة؟

فلم يثبت بحمد الله من هذه الروايات شيء ألبتة.

وقد كانت هذه الروايات في حاجة إلى عناية ومتابعة وجهد ليتبين بعدها أن الروايات كلها كانت منقطعة الأسانيد وأن ما صح منها كما في صحيح مسلم لا يعدو أن يثبت شهادة الفساق عليه زورا كما سوف يتبين لك من هذا البحث القيم الذي قام به الأستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله رحمة واسعة ووجب على كل قارئ لبحثه هذا أن يدعو له بالرحمة.

شهادة الأستاذ محب الدين الخطيب في الوليد بن عقبة

قال الأستاذ محب الدين الخطيب رحمه الله « كنت في ما مضى أعجب كيف تكون هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة ويسميه الله فاسقاً، ثم تبقى له في نفس خليفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر وعمر المكانة التي سجلها له التاريخ.. إن هذا التناقض ـ بين ثقة أبي بكر و عمر بالوليد بن عقبة وبين ما كان ينبغي أن يعامل به لو أن الله سماه فاسقاً ـ حملني على الشك في أن تكون الآية نزلت فيه..

وبعد أن ساورني هذا الشك أعدت النظر في الأخبار التي وردت عن سبب نزول الآية { إن جاءكم فاسق بنبأ . . . } فلما عكفت على دراستها وجدتها موقوفة على مجاهد، أو قتادة أو ابن أبي ليلى، أو يزيد بن رومان، ولم يذكر أحد منهما أسماء رواة هذه الأخبار في مدة مائة سنة أو أكثر مرت بين أيامهم وزمن الحادث، وهذه المائة من السنين حافلة بالرواة من مشارب مختلفة.

وإن الذين لهم هوى في تشويه سمعة مثل الوليد ومن هم أعظم مقاماً من الوليد قد ملأوا الدنيا أخباراً مريبة لها قيمة علمية.

وما دام رواة تلك الأخبار في سبب نزول الآية مجهولين من علماء الجرح والتعديل بعد الرجال الموقوفة هذه الأخبار عليهم وعلماء الجرح والتعديل لا يعرفون من أمرهم حتى ولا أسمائهم [ شيئاً ]، فمن غير الجائز شرعاً وتاريخاً الحكم بصحة هذه الأخبار المنقطعة التي لا نسب لها وترتيب الأحكام عليها.

وهنالك خبران موصولان أحدهما عن أم سلمة زعم موسى بن عبيدة أنه سمعه من ثابت مولى أم سلمة وموسى بن عبيدة ضعفه النسائي وابن المديني وابن عدي وجماعة.

وثابت المزعوم أنه مولى أم سلمة ليس له ذكر في كل ما رجعت إليه من كتب العلم ن فلم يذكر في تهذيب التهذيب ولا في تقريب التهذيب ولا في خلاصة تذهيب الكمال، بل لم أجده في (ميزان الاعتدال ) و( لسان الميزان ).

وذهبت إلى مجموعة أحاديث أم سلمة في مسند الإمام أحمد فقرأتها واحداً واحداً فلم أجد فيها هذا الخير بل لم أجد لأم سلمة أي خبر ذكر فيه اسم مولى لها يدعى ثابت ، زد على كل هذا أن أم سلمة لم تقل في هذا الخبر ـ إن صح عنها ـ ولا سبيل إلى أن يصح عنها ـ إن الآية نزلت في الوليد بل قالت ـ أي قيل على لسانها ـ " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رجلا ) في صدقات بين المصطلق " .

والخبر الثاني الموصول رواه الطبري في التفسير عن ابن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس.

والطبري لم يلق ابن سعد ولم يأخذ عنه لأن ابن سعد لما توفي بغداد سنة 23هـ كان الطبري طفلا في نحو السادسة من عمره ولم يخرج إلى ذلك الحين من بلده آمل في طبرستان لا إلى بغداد ولا لغيرها.

ثم تبين لي أن ابن سعد الذي ورى عنه الطبري هو محمد بن سعد العوفي ن وقد وصف الشيخ أحمد شاكر سنده بأنه ( سند مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة ) انظر تفسير الطبري طبعة دار المعارف 1 :263).

فكل هذه الأخبار من أولها إلى آخرها لا يجوز أن يؤاخذ بها مجاهد كان موقع ثقة أبي بكر وعمر وقام بخدمات للإسلام يرجى له بها أعظم المثوبة إن شاء الله أضف إلى كل ما تقدم أنه في الوقت الذي حدث فيه لبني المصطلق الحادثة التي نزلت فيها الآية كان الوليد صغير السن كما سيأتي في الفقرة التالية .

وروى أحمد في مسنده ( 4 : 32 ) حول عمر الوليد بن عقبة يوم فتح مكة عن شيخ له هو فياض بن محمد الرقي عن جعفر بن برقان الرقي عن ثابت بن الحجاج الكلابي الرقي عن عبد الله الهمداني هو ( عبد الله بن مالك بن الحارث ) عن الوليد بن عقبة، والظاهر أن الوليد بن عقبة تحدث بهذا الحديث عندما اعتزل الناس في السنين الأخيرة من حياته واختار الإقامة في قرية له من أعمال الرقة ، فتسلسلت رواية الخبر في الرواة الرقيين، وأخذه الإمام أحمد عن شيخ له منهم وعبد الله الهمداني ثقة لكن التبس اسمه في غر هذه الرواية بهمداني آخر يكنى أبا موسى واسمه مالك بن الحارث ( أي على اسم والد عبد الله الهمداني ) وهو مجهول عند أهل الجرح والتعديل.

أما عبد الله الهمداني الذي ينتهي إليه الخبر في رواية الإمام أحمد فمعروف وموثوق به وعلى روايته وأمثالها اعتمد القاضي ابن العربي في الحكم على سن الوليد بن عقبة بأنه كان صبياً عند فتح مكة وأن الذي نزلت فيه آية ( إن جاءكم فاسق بنبأ ) هو شخص آخر.

ومن عجيب أمر الذين كان لهم هوى في تشويه سمعة هذا الصحابي الشاب المجاهد الطيب النفس الحسن السيرة في الناس أنهم حاولوا إدحاض حجة صغر سنه في ذلك الوقت بخبر آخر روي عن قدومه مع أخيه عمارة إلى المدينة في السنة السابعة للهجرة ليطلبا من النبي صلى الله عليه وسلم رد أختهما أم كلثوم إلى مكة.

وأصل هذا الخبر ـ إن صح ـ مقدم فيه اسم عمارة على اسم الوليد وهذا مما يستأنس به في أن عمارة هو الأصل في هذه الرحلة وأن الوليد جاء في صحبته.

وأي مانع يمنع قدوم الوليد صبياً بصحبة أخيه الكبير كما يقع مثل ذلك في كل زمان ومكان؟

فقول الوليد إنه كان في سنة الفتح صبياً ليس في خبر قدومه مع أخيه الكبير إلى المدينة في السنة السابعة ما يمنعه أو يناقضه.

فإذا تقرر عندك أن جميع الأخبار الواردة بشأن الوليد بن عقبة في سبب نزول آية {إن جاءكم فاسق بنبأ } لا يجوز علمياً أن يبنى عليها حكم شرعي أو تاريخي، وإذا أضفت إلى ذلك حديث مسند الإمام أحمد عن سن الوليد في سنة الفتح يتبين لك بعد ذلك حكمة استعمال أبي بكر وعمر للوليد وثقتهما به واعتمادهما عليه مع أنه كان لا يزال في صدر شبابه.

الوليد المجاهد الفاتح العادل

أما الوليد بن عقبة المجاهد الفاتح العادل المظلوم ( الذي كان منه لأمته كل ما استطاع من عمل طيب، ثم رأى بعينه كيف يبغي المبطلون على الصالحين وينفذ باطلهم فيهم، فاعتزل الناس بعد مقتل عثمان في ضيعة له منقطعة عن صخب المجتمع، وهي تبعد خمسة عشر ميلاً عن بلدة الرقة من أرض الجزيرة التي كان يجاهد فيها ويدعو نصاراها إلى الإسلام في خلافة عمر).

فقد آن لدسائس الكذابين فيه أن ينكشف عنها عوارها ولا يضير هذا الرجل أن يتأخر انكشاف الحق فيه ثلاثة عشر قرناً فإن الحق قديم ولا يؤثر في قدمه احتجابه.

أراد الوليد بن عقبة ـ منذ ولي الكوفة لأمير المؤمنين عثمان ـ أن يكون الحاكم المثالي في العدل والنبل والسيرة الطيبة مع الناس كما كان المحارب المثالي في جهاده وقيامة للإسلام بما يليق بالذائدين عن دعوته، الحاملين لرايته الناشرين لرسالته وقد لبث في إمارته على الكوفة خمس سنوات وداره ـ إلى اليوم الذي زايل فيه الكوفة ـ ليس لها باب يحول بينه وبين الناس ممن يعرف أولا يعرف، فكان يغشاها كل من شاء متى شاء من ليل أو نهار ولم يكن بالوليد حاجة لأن يستتر عن الناس.

فالستر دون الفاحشات ولا يلقاك دون الخير من ستر

وكان ينبغي أن يكون الناس كلهم محبين لأميرهم الطيب لأنه أقام لغربائهم دور الضيافة وأدخل على الناس خيراً حتى جعل يقسم المال للولائد والعبيد ، ورد على كل مملوك من فضول الأموال في كل شهر ما يتسعون به من غير ان ينقص مواليهم من أرزاقهم وبالفعل كانت جماهير الشعب متعلقة بحب هذا الأمير المثالي طول مدة حكمه.

إلا أن فريقاً من الأشرار وأهل الفساد أصاب بنيهم سوط الشريعة بالعقاب على يد الوليد فوقفوا حياتهم على ترصد الأذى له.

ومن هؤلاء رجال يسمى أحدهم أبا زينب بن عوف الأزدي وآخر يسمى أبا مورع وثالث اسمه جندب أبو زهير.

قبضت السلطات على أبنائهم في ليلة نقبوا فيها على ابن الحيسمان داره وقتلوه وكان نازلاً بجواره رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل السابقة في الاسلام وهو أبو شريح الخزاعي حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش خزاعة يوم فتح مكة.

فجاء هو وابنه من المدينة ليسيرا مع أحد جيوش الوليد بن عقبة التي كان يواصل توجيهها نحو المشرق للفتوح ونشر دعوة الإسلام، فشهد هذا الصحابي وابنه في تلك الليلة سطو هؤلاء الأشرار على منزل ابن الحيسمان، وأدى شهادته هو وابنه على هؤلاء القتلة السفاحين.

فأنفذ الوليد فيهم حكم الشريعة على باب القصر في الرحبة ، فكتب آباؤهم العهد على أنفسهم للشيطان بأن يكيدوا لهذا الأمير الطيب الرحيم وبثوا عليه العيون والجواسيس ليترقبوا حركاته.

وكان بيته مفتوحاً دائماً وبينما كان عنده ذات يوم ضيف له من شعراء الشمال كان نصرانياً في أخواله من بني تغلب بأرض الجزيرة وأسلم على يد الوليد فظن جواسيس الموتورين أن هذا الشاعر الذي كان نصرانياً لا بد أن يكون يشرب الخمر.

ولعل الوليد أن يكرمه بذلك. فنادوا أبا زينب وأبا المورع وأصحابهما، فاقتحموا الدار على الوليد من ناحية المسجد ولم يكن لداره باب. فلما فوجئ بهم نحى شيئاً أدخله تحت السرير ، فأدخل بعضهم يده فأخرجه بلا إذن من صاحب الدار، فلما أخرج ذلك الشئ من تحت السرير إذا هو طبق عليه تفاريق عنب فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون من الخجل ، وسمع الناس بالحكاية فأقبلوا يسبونهم ويلعنونهم.

وقد ستر الوليد عليهم ذلك وطواه عن عثمان وسكت عن ذلك وصبر، ثم تكررت مكايد جندب وأبي زينب وأبي المورع وكانوا يغتنمون كل حادث فيسيئون تأويله ويفترون الكذب وذهب بعض الذين كانوا عمالا في الحكومة ونحاهم الوليد عن أعمالهم لسوء سيرتهم فقصدوا المدينة وجعلوا يشكون الوليد لأمير المؤمنين عثمان ويطلبون منه عزله عن الكوفة وفيما كان هؤلاء في المدينة دخل أبو زينب وأبو المورع دار الإمارة بالكوفة مع من يدخلها من غمار الناس وبقيا فيها إلى أن تنحى الوليد ليستريح فخرج بقية القوم ، وثبت أبو زينب وأبو المورع إلى أن تكنا من سرقة خاتم الوليد من داره وخرجا.

فلما استيقظ الوليد لم يجد خاتمه فسأل عنه زوجتيه ـ وكانتا في مخدع تريان منه زوار الوليد من وراء ستر ـ فقالتا إن آخر من بقي في الدار رجلان، وذكرنا صفتيهما وحليتهما للوليد، فعرف أنهما أبو زينب وأبو المورع، وأدرك أنهما لم يسرقا الخاتم إلا لمكيدة بيتاها فأرسل في طلبهما فلم يوجدا في الكوفة، وكان قد سافرا تواً إلى المدينة.

وتقدما شاهدين على الوليد بشرب الخمر (واكبر ظني أنهما استلهما شهادتهما المزورة من تفاصيل الحادث الذي سبق وقوعه لقدامة بن مضعون في خلافة عمر (فقال كنا من غاشيته فدخلنا عليه وهو يقئ الخمر فقال عثمان ما يقئ الخمر إلا شاربها فجئ بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان وأخبره خبرهم، فقال عثمان : " نقيم الحدود ويبوء شاهد الزور بالنار ".

هذه قصة اتهام الوليد بالخمر كما في حوادث سنة 30 هـ من تاريخ الطبري وليس فيها ـ على تعدد مصادرها ـ شئ غير ذلك وعناصر الخبر عند الطبري أن الشهود على الوليد اثنان من الموتورين الذين تعادت شواهد غلهم عليه ، ولم يرد في الشهادة ذكر الصلاة من أصلها فضلا عن أن تكون اثنتين أو أربعاً، وزيادة ذكر الصلاة هي الأخرى أمرها عجيب.

فقد نقل خبرها عن الحضين بن المنذر ( أحد أتباع علي ) أنه كان مع علي عند عثمان ساعة أقيم الحد على الوليد، وتناقل الناس عنه هذا الخبر فسجله مسلم في صحيحه ( كتاب الحدود ) بلفظ " شهدت عثمان ابن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ( ركعتين ) ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان بأنه تقياً أحدهما حمران أنه شرب الخمر وشهد اخر أنه أنه راه يتقيأ ) فالشاهدان لم يشهدا بأن الوليد صلى الصبح ركعتين وقال أزيدكم بل شهد أحدهما بأنه شرب الخمر وشهد الآخر بأنه تقيأ.

أما صلاة الصبح ركعتين وكلمة أزيدكم فهي من كلام حضين، ولم يكن حضين من الشهود، ولا كان في الكوفة في وقت الحادث المزعوم، ثم إنه لم يسند هذا العنصر من عناصر الاتهام إلى إنسان معروف.

ومن العجيب أن نفس الخبر الذي في صحيح مسلم وارد في ثلاثة مواضع من مسند أحمد مروياً عن حضين، والذي سمعه من حضين في صحيح مسلم هو الذي سمعه منه في مسند احمد بمواضعه الثلاثة.

فالموضعان الأول والثاني ( ج1 ص82 و140 ) ليس فيهما ذكر الصلاة عن لسان حضين فضلاً عن غيره، فلعل أحد الرواة من بعده أدرك أن الكلام عن الصلاة ليس من كلام الشهود فاقتصر على ذكر الحد.

وأما في الموضع الثالث من مسند أحمد ( ج1ص 144 ) فقد جاء على لسان حضين أن الوليد صلى بالناس الصبح أربعاً، وهو يعارض ما جاء على لسان حضين نفسه في صحيح مسلم ، ففي إحدى الروايتين تحريف [ و ] الله أعلم بسببه.

وفي الحالتين لا يخرج ذكر الصلاة عنه أنه كلام حضين وحضين ليس بشاهد ، ولم يرو عن شاهد ، فلا عبرة بهذا الجزء من كلامه.

وبعد أن علمت بأمر الموتورين فيما نقله الطبري عن شيوخه، أزيدك علماً بأمر حمران [ المذكور في الرواية ] وهو عبد من عبيد عثمان كنا قد عصى الله قبل شهادته على الوليد فتزوج في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم امرأة مطلقة ودخل بها وهي في عدتها من زوجها الأول، فغضب عليه عثمان لهذا ولأمور أخرى قبله فطرده من رحابه وأخرجه من المدينة، فجاء الكوفة يعيث فيها فساداً، ودخل على العبد الصالح عامر بن عبد القيس فافترى عليه الكذب عند رجال الدولة وكان سبب تسييره إلى الشام.

وأنا أترك أمر هذا الشاهد والشاهدين الآخرين قبله إلى ضمير القارئ يحكم عليهم بما يشاء ، وفي اجتهادي أن مثل هؤلاء الشهود لا يقام بهم حد الله على ظنين من السوقة والرعاع ، فكيف بصحابي مجاهد وضع الخليفة في يده أمانة قطر وقيادة جيوش فكان عند الظن به من حسن السيرة في الناس وصدق الرعاية لأمانات الله ، وكان موضع الثقة عند ثلاثة من اكمل خلفاء الإسلام ابي بكر وعمر وعثمان.

وإن قرابة الوليد من عثمان التي يزعم الكذبة أنها سبب المحاباة منه لهم إنما كانت سبب التسامح من عثمان في عزلهم يتسلون بأعراض الناس يتفكهون بأبيات ستة منسوبة إلى ماجن خسيس النفس وردت في ص85 من ديوانه ولا تحملهم سليقة النقد على الشعور بما في هذه الأبيات من التضارب والتعارض فأين مدحه فيها للوليد بقوله :


ورأوا شمائل ماجد أنف بعطي على الميسور والعسر

فنزعت مكذوباً عليك ولم تردد إلى عوز ولا فقر

من بقية الأبيات التي فيها :

نادى وقد تمت صلاتهم أأزيدكم ثملا وما يدري

فالذي يقول البيت الأخير لا يعقل أن يقول معه البيتين الأولين فيكون مادحاً وذاماً في قطعة واحدة لا تزيد على ستة أبيات : وقد كانت لي مقالة مطولة عن ( التخليط في الشعر ) ضربت فيها الأمثلة على دس الأبيات غريبة في قصائد من وزنها ورويها لغير ناظمها .

وعلى كل حال فالشهود الذين شهدوا بين يدي عثمان لم يدّعوا حكاية الصلاة مع أنهم لم يكونوا ممن يخاف الله واليوم الاخر.

والآن أقولها لوجه الله صريحة ومدوية إن الوليد لو كان من رجال التاريخ الأوربي كالقديس لويس الذي أسرناه في دار ابن لقمان بالمنصورة لعدوه قديساً لأن لويس التاسع لم يحسن إلى فرنسا كإحسان الوليد بن عقبة إلى أمته ولم يفتح للنصرانية كفتح الوليد للإسلام.

والعجب لأمة تسئ إلى أبطالها وتشوه جمال تاريخها وتهدم أمجادها كما يفعل الأشرار منا ، ثم ينتشر كيد هؤلاء الأشرار حتى يظن الأخيار أنه هو الحق» ا. هـ

العواصم من القواصم ص90-98 تحتقيق وتعليق الأستاذ محب الدين الخطيب.

بعد هذا البحث القيم نقول:

رحم الله الأستاذ محب الدين الخطيب على ما ذب به عن عرض الصحابي الجليل الوليد بن عقبة المتهم ظلما وزورا بشرب الخمر والذي طار أعداء الإسلام من الداخل بخبره فرحا ليكيدوا لأسانيد القرآن البشرية (أعني الصحابة) حسدا من عند أنفسهم.
وليبرروا قولهم بتحريف القرآن وليوجدوا لأنفسهم ولو أنموذجا واحدا يكسرون به عدالة الصحابة.
وظن هؤلاء أنهم يدافعون بذلك عن الاسلام. وما دروا أنهم إنما يطعنون بذلك في القرآن بمحاولتهم كسر حصن وقاعدة (عدالة الصحابي) التي غدت قاعدة أهل السنة ومنهجهم.

الصحابة أسانيد القرآن. والطعن بهم طعن في سند القرآن.

وكم سوف يفرح أعداء المسلمين حين يجدون من يعينهم من داخل الإسلام من يكسر هذا السند ليعينهم على الطعن في القرآن الكريم. فكيف وأن كتب هؤلاء قد صرحت هي الأخرى بتواتر الأسانيد والروايات عن امتداد أيدي الصحابة إلى القرآن بالتحريف والحذف وتغيرر الآيات عن موضعها: لهثا وراء المكاسب والإمارة الدنيوية.

أو يعقل هذا فيمن وصفهم الله بأنهم (يؤثرون على أنفسهم). ونحذف إكراما لعيون هؤلاء المنافقين نحذف حرف الجر (على). من الآية فتصير الآية هكذا:

(
ويؤثرون أنفسهم) ليحلو لهم اعتقادهم أن الصحابة كانوا أنانيين وكانوا أحرص الناس على حياة وعلى عرض الدنيا القليل؟

بدلا من (ويؤثرون على أنفسهم) والتي تصفهم بأنهم يقدمون الآخرين إطعاما وكفالة على أنفسهم.

كلا والله. إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا وبلوا كل ما عندهم رخيصا في سبيل أقامة دين الله لا يمكن أن نعتقد فيهم إلا ما قاله الله تعالى (ويؤثرون على أنفسهم) وليس (يؤثرون أنفسهم)...
 منقول من موقع الراشدون
اقرء المزيد

تفسير سورة الحجرات الدرس الثالث

4:57 ص 0
تفسير سورة الحجرات_1_1

(3)ولكن الله حبب إليكم الإِيمان
يقول الله - تبارك وتعالى -: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأَمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإِيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان }
(
لعنتم ) أي لشق عليكم ما تطلبونه من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
والمعنى : ليكن معلومًا لديكم  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين أظهركم، وهو الذي يريد بكم الخير وينصح لكم، وتريدون لأنفسكم من الشر والمضرة، ما لا يوافقكم الرسول عليه، ولو يطيعكم في كثير من الأمر لشق عليكم وأعنتكم، ولكن الرسول يرشدكم، والله تعالى يحبب إليكم الإيمان، ويزينه في قلوبكم .وإيضاح ذلك :أن المؤمنين لو تركوا لاختيارهم سيختارون لأنفسهم في كثير من الأحيان ما هو أشق وأصعب وإن كان في ظاهره السهولة واليسر ،واختيارهم هذا إنما هو لقلة علمهم بالأمور ومآلها وإلى ماذا ستنتهي ؛ فرب العزة يعلم مالا نعلم كما قال تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا )النساء 19

فالله تعالى يأمرنا - في كتابه أو على لسان نبيه

صلى الله عليه وسلم- دوما بما فيه خيرلنا وصلاح لأمرنا، فلو قدمنا آراءنا وأقوالنا على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم لاخترنا لأنفسنا الأشق والأصعب ،لذا فعلينا أن نقدم قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، ونطرح آراءنا وأقوالنا جانبا ، فالله أرحم بنا من أنفسنا ، ونبينا صلى الله عليه وسلم حريص علينا وبنا رؤوف رحيم .

ثم قال عز وجل: {ولكن الله حبب إليكم الإِيمان } أي جعله محبوباً في قلوبكم
والمعنى : أنكم تطيعونه - أي الرسول عليه الصلاة والسلام - فيما يخالفكم فيه؛ لأن الله حبَّب إليكم الإيمان فلذلك تقدمون طاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخالفكم فيه.
(
وزينه في قلوبكم ) الإنسان قد يحب الشيء ولكنه مكروه لديه، من حيث تحقيق المصلحة يحبه، ولكن من حيث عين الموضوع هو يكرهه.المريض مثلاً: يجد الدواء مرا لكنه يتناوله؛ لأن وراءه الشفاء بإذن الله، فهو قد يتناول هذا الشيء ولكنه يكره ذاته .
فجمع الله هنا بين حبب وزين، فهو محبب لنتائجه الحسنة، ومزين عند الإنسان يأخذه برغبة وطواعية ومحبة، وفرق بعيد بين الأمرين، ولهذا كان (زينه) تتمة (لحببه) ليكون الأخذ بهذا المحبب برغبة واختيار لا عن إكراه.ويدخل في مسمى الإيمان : كل الأعمال الصالحة، يعني: حبب إليكم الصلوات والصدقات والأذكار والأدعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتفكر في آيات الله تعالى، والإحسان إلى عباد الله، والنصيحة للمؤمنين.
(
وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) كرّه إليكم الكفر مقابل الإيمان
والفسوق مقابل الاستقامة ،والعصيان مقابل الإذعان
وهذا تدرج من الأعلى إلى الأدنى : فالكفر أعظم من الفسق، والفسق أعظم من العصيان.والكفر هو الخروج من الإسلام بالكلية. وأما الفسق: فالأصل فيه الخروج؛ يقولون: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، وكل شيء خرج عن طبعه فإنه فسوق.ويسمى العصاة: فاسقين، والمعاصي  فسوقا. فهو دون الكفر، لكنه فعل كبيرة، مثل أن يفعل الإنسان كبيرة من الكبائر ولم يتب منها، كالزنا، وشرب الخمر .والعصيان: هو الصغائر التي تكفَّر بالأعمال الصالحة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر "  .

( أولئك هم الراشدون ) يعني الذين سلكوا طريق الرشد،وهو الاستقامة على دين الله - عز وجل – هم الراشدون
(
فضلاً من الله ) أي تفضُّلاً منه، وليس بكسبكم، ولكنه من الله - عز وجل - فمن علم الله منه حُسن النية، والقصد والإخلاص حبَّب إليه الإيمان وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ومن لم يعلم الله منه ذلك فإنَّ الله تعالى يقول: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم }الصف5
ويقول الله - عز وجل -: {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم }المائدة 49 فالذنوب سبب للمخالفة والعصيان، فهؤلاء الذين تفضَّل الله عليهم وأنعم عليهم نعمة الدين هم الذين وُفقوا للحق .
( وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) عليم بما في خزائنه من واسع فضله، فيتفضل بما شاء.
(
حكيم) لما يختار من عباده من يعطيه نعمه، فيعطي كل إنسان من نعمه سبحانه ما يلائم حاله، فهو سبحانه وتعالى يعطي كل إنسان بحكمة فيما تكون فيه مصلحته.
حلاوة الإيمان ومرارة العصيان
 حلاوة الإيمان عرفها النووي بقوله : استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق في سبيل الله ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم لها علامات من تحققت فيه فقد ذاق حلاوة الإيمان ، فعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ،عَزَّ وَجَلَّ ، وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يَكْرَهَ الْعَبْدُ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الإِسْلاَمِ ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ، وَأَنْ يُحِبَّ الْعَبْدُ الْعَبْدَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ ِللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ. أخرجه مسلم.
و
عنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِىَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً. أخرجه أحمد
وعَنْ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ:قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهُ ، قَالُوا : قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، قَالَ : أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا. أخرجه البُخَارِي
إن لذة الطاعة لا تعادلها لذة وحلاوة الإيمان لا تعادلها حلاوة وعز الطاعة لا يعادله عز ، كما أن مرارة المعصية لا تعادلها مرارة وشؤم الذنب لا يعادله شؤم ، وذل المعصية لا يعادله ذل.وحب الطاعة هو أن تحب طاعة الله تعالى وتستمتع بها، وتشعر بالطمأنينة والهدوء فيها؛ كالنبي صلى الله عليه وسلم، حينما قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) وكان يقول  لبلال: (أقم الصلاة يا بلال، أرحنا بها)

والمسلم عندما يذوق حلاوة الإيمان ،تراه ينشط للطاعة ويسارع بالخيرات ، وينشرح صدره لها ، يرفع شعار (وعجلت إليك رب لترضى) فلا تجده كسولا ولامكرها على طاعة ولا يتعلق بالأماني الكاذبة فلسان حاله (إذا عرف الآمر سهلت الأوامر).

مثلاً: إنسان فتح محلاً تجارياً ، في اليوم الأوّل، باع بعشرة آلاف، هذا، في اليوم الثاني لا يغيب أبداً !!! بل يأتي باكراً، أول من يفتح محله، لأنّه ذاق المكسب الكبير وحلاوته ، هذا الذي ذاقه من الربح الوفير حمله على المتابعة، أمّا إذا فتح المحل ولم يجد مشترٍ، ففي اليوم الثاني يقول: أنا متعب، ولا يهمه المحل، فتح أو لم يفتح، يقول: لا يوجد شغل، السوق بارد........
فالإنسان إذا لم يذق  الطعم لا يتابع، ومن علامة الذي يذوق حلاوة الإيمان أنّه يتابع، وكل إنسان يقوم إلى الصلاة كسلاناً ويؤدي العبادات بتثاقل،... فهذا إنسان ما ذاق حلاوة الإيمان، لأن حلاوة الإيمان تعطيك قوة عجيبة، تعطيك قوة تنسى بها كل شيء .

وحلاوة الإيمان لا يحسها ولا يعايشها أي أحد ، كما أنها لا تباع ولا تستجدى ، يقول أحدهم من شدة سروره بتلك النعمة : لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه – يعني من النعيم – لجالدونا (لقاتلونا)عليه بالسيوف.وقال بعض العارفين: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبَّة الله تعالى ومعرفته وذكره .
وقال ثابت البناني: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة.وقال بعضهم: سقت نفسي إلى الله وهي تبكي، فمازلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك.
وكان أبو مسلم الخولاني رحمه الله يصلي من الليل فإذا أصابه فتور أو كسل قال لنفسه : أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليه ، والله لأزاحمنهم عليه ، حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالا !! ثم يصلي إلى الفجر .

وكان عبد العزيز بن أبي روّاد رحمه الله يُفرش له فراشه لينام عليه بالليل ، فكان يضع يده على الفراش فيتحسسه ثم يقول : ما ألينك ولكن!!! فراش الجنة ألين منك ثم يقوم إلى صلاته .

وروي أن لصاً دخل بيت مالك بن دينار فما وجد شيئاً فجاء ليخرج فناداه مالك: سلام عليكم، فقال: وعليك السلام، قال: ما حصل لكم شيء من الدنيا فترغب في شيء من الآخرة - قال: نعم، قال: توضأ من هذا المركن وصل ركعتين، ففعل ثم قال: يا سيدي أجلس إلى الصبح، قال: فلما خرج مالك إلى المسجد قال أصحابه: من هذا معك - قال: جاء يسرقنا فسرقناه. تاريخ الإسلام للذهبي 2/144.
وقال ابن القيم رحمه الله : " إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فأفرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة". الفوائد 125.ويقول الشاعر :
فليتك تحلو والحياة مريــــــرة * * * وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر * * * وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين * * * وكل الذي فوق التراب تراب
 
يقول ابن تيمية رحمه الله :(في رسالة العبودية 6 )" فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره، إذ ليس في القلب السليم أحلى ولا أطيب ولا ألذ ولا أسر ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ومحبته له وإخلاص الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله فيصير القلب منيباً إلى الله خائفاً منه راغباً راهباً " .
ولما دخل -رحمه الله-  سجن القلعة وأغلق عليه الباب، برزت حلاوةالإيمان فقال : (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى رُحت فهي معي لا تفارقني، حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة الإيمان. المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه، والله لو بذلت ملء القلعة ذهبًا ما عدل ذلك عندي شكر نعمة الحبس، وما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
ويقول تلميذه ابن القيم -رحمه الله-: وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والتنعم، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق ومع ذلك فهو من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرُّهم نفسًا، تلوح نظرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه؛ فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.

فحلاوة الإيمان تمنحك القوة والعزة وتيسر عليك كل يسير وتهون عليك كل صعب , وتجمل حياتك بالرضا الكامل عن الله .
ثمرة الاستغفار :قيل لما زار أحمد بن حنبل بغداد ولم يعلم أهل بغداد بحضور الشيخ وكان الإمام أحمد بن حنبل يريد أن يقضي ليلته في المسجد ، ولكن مُنع من المبيت في المسجد بواسطة حارس المسجد حاول مع الإمام ولكن لا جدوى ، فقال له الإمام سأنام موضع قدمي وبالفعل نام الإمام أحمد بن حنبل مكان موضع قدميه ، فقام حارس المسجد بجرّه لإبعاده من مكان المسجد ، وكان الإمام أحمد بن حنبل شيخ وقور تبدو عليه ملامح الِكبر ، فرآه خباز فلما رآه يُجرّ بهذه الهيئة عرض عليه المبيت عنده ، وذهب الإمام أحمد بن حنبل مع الخباز ، فأكرمه ونعّمه ، وذهب الخباز لتحضير عجينه لعمل الخبز ، سمع الإمام أحمد الخباز يستغفر ويستغفر ويستغفر ،ومضى وقت طويل وهو على هذه الحال فتعجب الإمام أحمد بن حنبل ، فلما أصبح سأل الإمام أحمد الخباز عن استغفاره في الليل ، فأجابه الخباز : أنه طوال ما يحضر عجينه ويعجن فهو يستغفر ، فسأله الإمام أحمد : وهل وجدت لاستغفارك ثمره ، والإمام أحمد سأل الخباز هذا السؤال وهو يعلم ثمرات الاستغفار ، يعلم فضل الاستغفار يعلم فوائد الاستغفار فقال الخباز : نعم ، والله ما دعوت دعوة إلا أُجيبت لي ، إلا دعوة واحدة فقال الإمام أحمد : وما هي ؟ فقال الخباز : رؤيا الإمام أحمد بن حنبل فقال الإمام أحمد : أنا أحمد بن حنبل ، والله إني جُررت إليك جراً .
كراهية المعصية:alt
{وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ } فمن تحلى بسكينة الإيمان ألقى الله في قلبه كراهية المعاصي والذنوب، فبعد أن كانت المعاصي تسيطر على العبد، وتعرقل سيره إلى الله تعالى، فإن الإيمان حينما يعمر القلب يطرد منه التعلق بالمعاصي والآثام.والمؤمن دومًا يرى المعصية قطعة من عذاب النار، يراها خزيًا في الدنيا وذلة، يراها كآبة وضيق صدر، يراها تبعده عن الله تعالى، بخلاف قليل الإيمان؛ فإنه يرى المعصية متعة ومكسبًا له .
فالطاعة تورث القلب نوراً وإشراقاً يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح كما أن المعاصي تورث ظلمة تظهر في الوجه والجوارح.

فإن للطاعة نوراً كما قال ابن عباس ( إن للحسنة ضياءً في الوجه ونوراً في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق ، وإن للسيئة سواداً في الوجه ، وظلمة في القلب ، ووهناً في البدن ، ونقصاً في الرزق ، وبغضة في قلوب الخلق .
فكم من شهوة ساعة أورثت ذلا طويلا، وكم من ذنب حرم قيام الليل سنين، وكم من نظرة حرمت صاحبها نور البصيرة، قيل لبعض السلف:  أيجد لذة الطاعة من عصى؟ قال: ولا مَنْ هَمَّ .فأعظم عقوبات المعاصي حرمان لذة الطاعات وإن غفل عنها المرء لقلة بصيرته وضعف إيمانه أو لفساد قلبه .
قال ابن الجوزي : "قال بعض أحبار بني إسرائيل : يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني ؟ فقيل له : كم أعاقبك وأنت لا تدري، أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟.وقال الشاعر :
تعصي الإله وأنت تظهر حبه * * * هذا محال في القياس بديـع
لو كان حبك صادقا لأطعتـه * * * إن المحب لمن يحب مطيـع
وروي عن ذي النون المصري ؛ أنه قيل: له متى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما يبغضه أمر عندك من الصبر. يعني: إذا كانت المعاصي كريهة عندك؛ كل المعاصي؛ ولو كانت تهواها النفس؛ ولو كانت تميل إليها وتحبها؛ فإن علامة المؤمن أن يكره المعاصي، أن يكره الله إليه الفسوق والمعاصي؛ بحيث إنها تنفر منها نفسه.والنفوس بطبعها تميل إلى بعض مشتهياتها؛ فتميل النفس ضعيفة الإيمان إلى محبة شرب الخمر والتلذذ بطعمه، وإلى محبة الزنا والتلذذ به وما أشبه ذلك .ولكن إذا علم المؤمن بأن الله حرمه؛ فإنه ينفر منه، ويبتعد عنه، ويكرهه كراهة شديدة. كما قال الشافعي –رحمه الله -:
أحب الصالحين ولست منهم ----- عسى أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ----- وإن كنا سواء في البضاعة

ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه ومهانة النفس وحقارتها ما الله به عليم .

قال الحسن : إنهم وإن هملجت بهم البغال وطقطقت بهم البراذين (نوع من الخيول فارسية)، فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم ، أبى الله إلا أن يذل من عصاه .

وقال بعض العلماء : الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله .

وكان بعض السلف يقول : اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك .

لأن من أطاع الله تولاه الله ، ومن تولاه الله حفظه ولذلك في الحديث : احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك .

وجاء أيضاً في الحديث القدسي ( قال تعالى : ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ... ) .

قال ابن كثير في تفسيره : معنى الحديث : أن العبد إذا أخلص الطاعة ، صارت أفعاله كلها لله عز وجل ، فلا يسمع إلا لله ، ولا يبصر إلا لله ، أي ما شرعه الله له ، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله ، مستعيناً بالله في  ذلك كله .
وقال أبو سليمان الدارني : ليس العجب ممن لم يجد لذة الطاعة إنما العجب ممن وجد لذتها ثم تركها كيف صبر عنها .
قال الشاعر :
رأيتُ الذنوب تُميتُ القلوب * * * وقد يُورِثُ الذُلُّ إدمانُها
وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوب * * * وخيرٌ لنفسكَ عِصيانُها
قال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله : إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء؟!! فقال : لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل ، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف .
وقال سفيان الثوري رحمه الله : حرمت قيام الليل خمسة أشهر بسبب ذنب أذنبته .
وقال رجل للحسن البصري رحمه الله : يا أبا سعيد : إني أبيت معافى وأحب قيام الليل ، وأعد طهوري فما بالي لا أقوم ؟!! فقال الحسن : ذنوبك قيدتك !!.وقال رجل للحسن البصري : أعياني قيام الليل ؟!! فقال : قيدتك خطاياك .وقال أبو الدرداء : إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى ، فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر.
لماذا لاأجد حلاوة الإيمان ؟
يقول البعض أنا أصلي ولكن لاأجد حلاوة الصلاة وأصوم ولا أجد حلاوة الصوم
فأين هذه الحلاوة التي تتحدثون عنها؟
إن في العبادة لذة إذا لم تجدها في نفسك ، فاعرف أن هناك خلل !!!إما أنك لم تخلصها لوجه الله وأنت لا تدري ..!أو أن هناك ذنوب لم تتخلص منها ..!عكَّرت طعم العبادة ، فصرت لا تحس بطعمها اللذيذ !.. حلاوة الإيمان
فأنت كمثل المريض الذي يوضع عنده الطعام الشهي مع ذلك لايتلذذ ولايجد حلاوة له !!!
قال ابن تيمية : إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فاتهمه ، فإن الرب تعالى شكور .
يعني أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه .
فعليك ان تكشف على نفسك ماالذي يمنع الحلاوة أن تصل إلى قلبك؟!!!
ما هو المرض الذي في قلبك ..قد يكون مرض النفاق ..مرض الشبهات ..مرض الشهوات .. حب المعصية ، كبر ، حسد ،غل ....الخ من المعاصي
فقد يكون أحد هذه الامراض مانعا ان تجد حلاوة الايمان!!

قال بعضهم لعثمان بن عفان رضي الله عنه : نقرأ القران ولا نجد له طعما.. قال: (والله لو سلمت قلوبكم ماشبعتم من كلام الله)

اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيْمانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ.

اقرء المزيد

إعلان أسفل التدوينة

إعلانك هنا