التربية الإسلامية

جديد التدوينات

إعلان فوق التدوينة

إعلانك هنا

الجمعة، 31 يناير 2014

تفسير سورة الحجرات الدرس الثالث

4:57 ص 0
تفسير سورة الحجرات_1_1

(3)ولكن الله حبب إليكم الإِيمان
يقول الله - تبارك وتعالى -: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأَمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإِيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان }
(
لعنتم ) أي لشق عليكم ما تطلبونه من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
والمعنى : ليكن معلومًا لديكم  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بين أظهركم، وهو الذي يريد بكم الخير وينصح لكم، وتريدون لأنفسكم من الشر والمضرة، ما لا يوافقكم الرسول عليه، ولو يطيعكم في كثير من الأمر لشق عليكم وأعنتكم، ولكن الرسول يرشدكم، والله تعالى يحبب إليكم الإيمان، ويزينه في قلوبكم .وإيضاح ذلك :أن المؤمنين لو تركوا لاختيارهم سيختارون لأنفسهم في كثير من الأحيان ما هو أشق وأصعب وإن كان في ظاهره السهولة واليسر ،واختيارهم هذا إنما هو لقلة علمهم بالأمور ومآلها وإلى ماذا ستنتهي ؛ فرب العزة يعلم مالا نعلم كما قال تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا )النساء 19

فالله تعالى يأمرنا - في كتابه أو على لسان نبيه

صلى الله عليه وسلم- دوما بما فيه خيرلنا وصلاح لأمرنا، فلو قدمنا آراءنا وأقوالنا على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم لاخترنا لأنفسنا الأشق والأصعب ،لذا فعلينا أن نقدم قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، ونطرح آراءنا وأقوالنا جانبا ، فالله أرحم بنا من أنفسنا ، ونبينا صلى الله عليه وسلم حريص علينا وبنا رؤوف رحيم .

ثم قال عز وجل: {ولكن الله حبب إليكم الإِيمان } أي جعله محبوباً في قلوبكم
والمعنى : أنكم تطيعونه - أي الرسول عليه الصلاة والسلام - فيما يخالفكم فيه؛ لأن الله حبَّب إليكم الإيمان فلذلك تقدمون طاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يخالفكم فيه.
(
وزينه في قلوبكم ) الإنسان قد يحب الشيء ولكنه مكروه لديه، من حيث تحقيق المصلحة يحبه، ولكن من حيث عين الموضوع هو يكرهه.المريض مثلاً: يجد الدواء مرا لكنه يتناوله؛ لأن وراءه الشفاء بإذن الله، فهو قد يتناول هذا الشيء ولكنه يكره ذاته .
فجمع الله هنا بين حبب وزين، فهو محبب لنتائجه الحسنة، ومزين عند الإنسان يأخذه برغبة وطواعية ومحبة، وفرق بعيد بين الأمرين، ولهذا كان (زينه) تتمة (لحببه) ليكون الأخذ بهذا المحبب برغبة واختيار لا عن إكراه.ويدخل في مسمى الإيمان : كل الأعمال الصالحة، يعني: حبب إليكم الصلوات والصدقات والأذكار والأدعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتفكر في آيات الله تعالى، والإحسان إلى عباد الله، والنصيحة للمؤمنين.
(
وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) كرّه إليكم الكفر مقابل الإيمان
والفسوق مقابل الاستقامة ،والعصيان مقابل الإذعان
وهذا تدرج من الأعلى إلى الأدنى : فالكفر أعظم من الفسق، والفسق أعظم من العصيان.والكفر هو الخروج من الإسلام بالكلية. وأما الفسق: فالأصل فيه الخروج؛ يقولون: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، وكل شيء خرج عن طبعه فإنه فسوق.ويسمى العصاة: فاسقين، والمعاصي  فسوقا. فهو دون الكفر، لكنه فعل كبيرة، مثل أن يفعل الإنسان كبيرة من الكبائر ولم يتب منها، كالزنا، وشرب الخمر .والعصيان: هو الصغائر التي تكفَّر بالأعمال الصالحة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر "  .

( أولئك هم الراشدون ) يعني الذين سلكوا طريق الرشد،وهو الاستقامة على دين الله - عز وجل – هم الراشدون
(
فضلاً من الله ) أي تفضُّلاً منه، وليس بكسبكم، ولكنه من الله - عز وجل - فمن علم الله منه حُسن النية، والقصد والإخلاص حبَّب إليه الإيمان وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ومن لم يعلم الله منه ذلك فإنَّ الله تعالى يقول: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم }الصف5
ويقول الله - عز وجل -: {فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم }المائدة 49 فالذنوب سبب للمخالفة والعصيان، فهؤلاء الذين تفضَّل الله عليهم وأنعم عليهم نعمة الدين هم الذين وُفقوا للحق .
( وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) عليم بما في خزائنه من واسع فضله، فيتفضل بما شاء.
(
حكيم) لما يختار من عباده من يعطيه نعمه، فيعطي كل إنسان من نعمه سبحانه ما يلائم حاله، فهو سبحانه وتعالى يعطي كل إنسان بحكمة فيما تكون فيه مصلحته.
حلاوة الإيمان ومرارة العصيان
 حلاوة الإيمان عرفها النووي بقوله : استلذاذ الطاعات وتحمل المشاق في سبيل الله ، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم لها علامات من تحققت فيه فقد ذاق حلاوة الإيمان ، فعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ،عَزَّ وَجَلَّ ، وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يَكْرَهَ الْعَبْدُ أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الإِسْلاَمِ ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ، وَأَنْ يُحِبَّ الْعَبْدُ الْعَبْدَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ ِللهِ ، عَزَّ وَجَلَّ. أخرجه مسلم.
و
عنْ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِىَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً. أخرجه أحمد
وعَنْ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ:قَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهُ ، قَالُوا : قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ، قَالَ : أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا. أخرجه البُخَارِي
إن لذة الطاعة لا تعادلها لذة وحلاوة الإيمان لا تعادلها حلاوة وعز الطاعة لا يعادله عز ، كما أن مرارة المعصية لا تعادلها مرارة وشؤم الذنب لا يعادله شؤم ، وذل المعصية لا يعادله ذل.وحب الطاعة هو أن تحب طاعة الله تعالى وتستمتع بها، وتشعر بالطمأنينة والهدوء فيها؛ كالنبي صلى الله عليه وسلم، حينما قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) وكان يقول  لبلال: (أقم الصلاة يا بلال، أرحنا بها)

والمسلم عندما يذوق حلاوة الإيمان ،تراه ينشط للطاعة ويسارع بالخيرات ، وينشرح صدره لها ، يرفع شعار (وعجلت إليك رب لترضى) فلا تجده كسولا ولامكرها على طاعة ولا يتعلق بالأماني الكاذبة فلسان حاله (إذا عرف الآمر سهلت الأوامر).

مثلاً: إنسان فتح محلاً تجارياً ، في اليوم الأوّل، باع بعشرة آلاف، هذا، في اليوم الثاني لا يغيب أبداً !!! بل يأتي باكراً، أول من يفتح محله، لأنّه ذاق المكسب الكبير وحلاوته ، هذا الذي ذاقه من الربح الوفير حمله على المتابعة، أمّا إذا فتح المحل ولم يجد مشترٍ، ففي اليوم الثاني يقول: أنا متعب، ولا يهمه المحل، فتح أو لم يفتح، يقول: لا يوجد شغل، السوق بارد........
فالإنسان إذا لم يذق  الطعم لا يتابع، ومن علامة الذي يذوق حلاوة الإيمان أنّه يتابع، وكل إنسان يقوم إلى الصلاة كسلاناً ويؤدي العبادات بتثاقل،... فهذا إنسان ما ذاق حلاوة الإيمان، لأن حلاوة الإيمان تعطيك قوة عجيبة، تعطيك قوة تنسى بها كل شيء .

وحلاوة الإيمان لا يحسها ولا يعايشها أي أحد ، كما أنها لا تباع ولا تستجدى ، يقول أحدهم من شدة سروره بتلك النعمة : لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه – يعني من النعيم – لجالدونا (لقاتلونا)عليه بالسيوف.وقال بعض العارفين: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبَّة الله تعالى ومعرفته وذكره .
وقال ثابت البناني: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة.وقال بعضهم: سقت نفسي إلى الله وهي تبكي، فمازلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك.
وكان أبو مسلم الخولاني رحمه الله يصلي من الليل فإذا أصابه فتور أو كسل قال لنفسه : أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليه ، والله لأزاحمنهم عليه ، حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالا !! ثم يصلي إلى الفجر .

وكان عبد العزيز بن أبي روّاد رحمه الله يُفرش له فراشه لينام عليه بالليل ، فكان يضع يده على الفراش فيتحسسه ثم يقول : ما ألينك ولكن!!! فراش الجنة ألين منك ثم يقوم إلى صلاته .

وروي أن لصاً دخل بيت مالك بن دينار فما وجد شيئاً فجاء ليخرج فناداه مالك: سلام عليكم، فقال: وعليك السلام، قال: ما حصل لكم شيء من الدنيا فترغب في شيء من الآخرة - قال: نعم، قال: توضأ من هذا المركن وصل ركعتين، ففعل ثم قال: يا سيدي أجلس إلى الصبح، قال: فلما خرج مالك إلى المسجد قال أصحابه: من هذا معك - قال: جاء يسرقنا فسرقناه. تاريخ الإسلام للذهبي 2/144.
وقال ابن القيم رحمه الله : " إذا استغنى الناس بالدنيا فاستغن أنت بالله، وإذا فرحوا بالدنيا فأفرح أنت بالله، وإذا أنسوا بأحبابهم فاجعل أنسك بالله، وإذا تعرفوا إلى ملوكهم وكبرائهم وتقربوا إليهم لينالوا بهم العزة والرفعة فتعرف أنت إلى الله وتودد إليه تنل بذلك غاية العز والرفعة". الفوائد 125.ويقول الشاعر :
فليتك تحلو والحياة مريــــــرة * * * وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر * * * وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين * * * وكل الذي فوق التراب تراب
 
يقول ابن تيمية رحمه الله :(في رسالة العبودية 6 )" فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره، إذ ليس في القلب السليم أحلى ولا أطيب ولا ألذ ولا أسر ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ومحبته له وإخلاص الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله فيصير القلب منيباً إلى الله خائفاً منه راغباً راهباً " .
ولما دخل -رحمه الله-  سجن القلعة وأغلق عليه الباب، برزت حلاوةالإيمان فقال : (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أنَّى رُحت فهي معي لا تفارقني، حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة الإيمان. المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه، والله لو بذلت ملء القلعة ذهبًا ما عدل ذلك عندي شكر نعمة الحبس، وما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
ويقول تلميذه ابن القيم -رحمه الله-: وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والتنعم، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق ومع ذلك فهو من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرُّهم نفسًا، تلوح نظرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه؛ فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.

فحلاوة الإيمان تمنحك القوة والعزة وتيسر عليك كل يسير وتهون عليك كل صعب , وتجمل حياتك بالرضا الكامل عن الله .
ثمرة الاستغفار :قيل لما زار أحمد بن حنبل بغداد ولم يعلم أهل بغداد بحضور الشيخ وكان الإمام أحمد بن حنبل يريد أن يقضي ليلته في المسجد ، ولكن مُنع من المبيت في المسجد بواسطة حارس المسجد حاول مع الإمام ولكن لا جدوى ، فقال له الإمام سأنام موضع قدمي وبالفعل نام الإمام أحمد بن حنبل مكان موضع قدميه ، فقام حارس المسجد بجرّه لإبعاده من مكان المسجد ، وكان الإمام أحمد بن حنبل شيخ وقور تبدو عليه ملامح الِكبر ، فرآه خباز فلما رآه يُجرّ بهذه الهيئة عرض عليه المبيت عنده ، وذهب الإمام أحمد بن حنبل مع الخباز ، فأكرمه ونعّمه ، وذهب الخباز لتحضير عجينه لعمل الخبز ، سمع الإمام أحمد الخباز يستغفر ويستغفر ويستغفر ،ومضى وقت طويل وهو على هذه الحال فتعجب الإمام أحمد بن حنبل ، فلما أصبح سأل الإمام أحمد الخباز عن استغفاره في الليل ، فأجابه الخباز : أنه طوال ما يحضر عجينه ويعجن فهو يستغفر ، فسأله الإمام أحمد : وهل وجدت لاستغفارك ثمره ، والإمام أحمد سأل الخباز هذا السؤال وهو يعلم ثمرات الاستغفار ، يعلم فضل الاستغفار يعلم فوائد الاستغفار فقال الخباز : نعم ، والله ما دعوت دعوة إلا أُجيبت لي ، إلا دعوة واحدة فقال الإمام أحمد : وما هي ؟ فقال الخباز : رؤيا الإمام أحمد بن حنبل فقال الإمام أحمد : أنا أحمد بن حنبل ، والله إني جُررت إليك جراً .
كراهية المعصية:alt
{وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ } فمن تحلى بسكينة الإيمان ألقى الله في قلبه كراهية المعاصي والذنوب، فبعد أن كانت المعاصي تسيطر على العبد، وتعرقل سيره إلى الله تعالى، فإن الإيمان حينما يعمر القلب يطرد منه التعلق بالمعاصي والآثام.والمؤمن دومًا يرى المعصية قطعة من عذاب النار، يراها خزيًا في الدنيا وذلة، يراها كآبة وضيق صدر، يراها تبعده عن الله تعالى، بخلاف قليل الإيمان؛ فإنه يرى المعصية متعة ومكسبًا له .
فالطاعة تورث القلب نوراً وإشراقاً يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح كما أن المعاصي تورث ظلمة تظهر في الوجه والجوارح.

فإن للطاعة نوراً كما قال ابن عباس ( إن للحسنة ضياءً في الوجه ونوراً في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق ، وإن للسيئة سواداً في الوجه ، وظلمة في القلب ، ووهناً في البدن ، ونقصاً في الرزق ، وبغضة في قلوب الخلق .
فكم من شهوة ساعة أورثت ذلا طويلا، وكم من ذنب حرم قيام الليل سنين، وكم من نظرة حرمت صاحبها نور البصيرة، قيل لبعض السلف:  أيجد لذة الطاعة من عصى؟ قال: ولا مَنْ هَمَّ .فأعظم عقوبات المعاصي حرمان لذة الطاعات وإن غفل عنها المرء لقلة بصيرته وضعف إيمانه أو لفساد قلبه .
قال ابن الجوزي : "قال بعض أحبار بني إسرائيل : يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني ؟ فقيل له : كم أعاقبك وأنت لا تدري، أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟.وقال الشاعر :
تعصي الإله وأنت تظهر حبه * * * هذا محال في القياس بديـع
لو كان حبك صادقا لأطعتـه * * * إن المحب لمن يحب مطيـع
وروي عن ذي النون المصري ؛ أنه قيل: له متى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما يبغضه أمر عندك من الصبر. يعني: إذا كانت المعاصي كريهة عندك؛ كل المعاصي؛ ولو كانت تهواها النفس؛ ولو كانت تميل إليها وتحبها؛ فإن علامة المؤمن أن يكره المعاصي، أن يكره الله إليه الفسوق والمعاصي؛ بحيث إنها تنفر منها نفسه.والنفوس بطبعها تميل إلى بعض مشتهياتها؛ فتميل النفس ضعيفة الإيمان إلى محبة شرب الخمر والتلذذ بطعمه، وإلى محبة الزنا والتلذذ به وما أشبه ذلك .ولكن إذا علم المؤمن بأن الله حرمه؛ فإنه ينفر منه، ويبتعد عنه، ويكرهه كراهة شديدة. كما قال الشافعي –رحمه الله -:
أحب الصالحين ولست منهم ----- عسى أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي ----- وإن كنا سواء في البضاعة

ولهذا يوجد في المتبع لهواه من ذل القلب وضعفه ومهانة النفس وحقارتها ما الله به عليم .

قال الحسن : إنهم وإن هملجت بهم البغال وطقطقت بهم البراذين (نوع من الخيول فارسية)، فإن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم ، أبى الله إلا أن يذل من عصاه .

وقال بعض العلماء : الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله .

وكان بعض السلف يقول : اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك .

لأن من أطاع الله تولاه الله ، ومن تولاه الله حفظه ولذلك في الحديث : احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك .

وجاء أيضاً في الحديث القدسي ( قال تعالى : ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ... ) .

قال ابن كثير في تفسيره : معنى الحديث : أن العبد إذا أخلص الطاعة ، صارت أفعاله كلها لله عز وجل ، فلا يسمع إلا لله ، ولا يبصر إلا لله ، أي ما شرعه الله له ، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله ، مستعيناً بالله في  ذلك كله .
وقال أبو سليمان الدارني : ليس العجب ممن لم يجد لذة الطاعة إنما العجب ممن وجد لذتها ثم تركها كيف صبر عنها .
قال الشاعر :
رأيتُ الذنوب تُميتُ القلوب * * * وقد يُورِثُ الذُلُّ إدمانُها
وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوب * * * وخيرٌ لنفسكَ عِصيانُها
قال رجل لإبراهيم بن أدهم رحمه الله : إني لا أقدر على قيام الليل فصف لي دواء؟!! فقال : لا تعصه بالنهار وهو يقيمك بين يديه في الليل ، فإن وقوفك بين يديه في الليل من أعظم الشرف، والعاصي لا يستحق ذلك الشرف .
وقال سفيان الثوري رحمه الله : حرمت قيام الليل خمسة أشهر بسبب ذنب أذنبته .
وقال رجل للحسن البصري رحمه الله : يا أبا سعيد : إني أبيت معافى وأحب قيام الليل ، وأعد طهوري فما بالي لا أقوم ؟!! فقال الحسن : ذنوبك قيدتك !!.وقال رجل للحسن البصري : أعياني قيام الليل ؟!! فقال : قيدتك خطاياك .وقال أبو الدرداء : إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى ، فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر.
لماذا لاأجد حلاوة الإيمان ؟
يقول البعض أنا أصلي ولكن لاأجد حلاوة الصلاة وأصوم ولا أجد حلاوة الصوم
فأين هذه الحلاوة التي تتحدثون عنها؟
إن في العبادة لذة إذا لم تجدها في نفسك ، فاعرف أن هناك خلل !!!إما أنك لم تخلصها لوجه الله وأنت لا تدري ..!أو أن هناك ذنوب لم تتخلص منها ..!عكَّرت طعم العبادة ، فصرت لا تحس بطعمها اللذيذ !.. حلاوة الإيمان
فأنت كمثل المريض الذي يوضع عنده الطعام الشهي مع ذلك لايتلذذ ولايجد حلاوة له !!!
قال ابن تيمية : إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحاً فاتهمه ، فإن الرب تعالى شكور .
يعني أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه .
فعليك ان تكشف على نفسك ماالذي يمنع الحلاوة أن تصل إلى قلبك؟!!!
ما هو المرض الذي في قلبك ..قد يكون مرض النفاق ..مرض الشبهات ..مرض الشهوات .. حب المعصية ، كبر ، حسد ،غل ....الخ من المعاصي
فقد يكون أحد هذه الامراض مانعا ان تجد حلاوة الايمان!!

قال بعضهم لعثمان بن عفان رضي الله عنه : نقرأ القران ولا نجد له طعما.. قال: (والله لو سلمت قلوبكم ماشبعتم من كلام الله)

اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيْمانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ.

اقرء المزيد

تفسير سورة الحجرات الدرس الرابع

4:55 ص 0
تفسيرسورة الحجرات alt
4- الإصلاح بين المسلمين

قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ سورة الحجرات : 9 ـ 10.

سبب النـزول:
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي، فركب حمارا وانطلق معه المسلمون يمشون، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: إليك عني،فو الله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله، لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنها نـزلت فيهم: (وإن طائفتان.....)". الحجرات9

مناسبة الآية لما قبلها :
لما نبه سبحانه وتعالى على وجوب التبين من نبأ الفاسق، فقد يأتي الفاسق إلى قوم بنبأ كاذب على قوم آخرين، فإذا سارعوا بتصديق نبأه سيقع القتال والفتنة، ولذا جاءت الآية الكريمة كأنها بيان لما عساه أن يقع بالمخالفة وعدم التبين والمسارعة بأخذ خبر الفاسق، فيقع مضرة على هؤلاء الناس، ويقع القتال بين الفريقين.
فيكون هذا العلاج: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا } ، فكأنه يقول: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا بسبب نبأ فاسق جاءهم فتداركوا الأمر، وأصلحوا بينهم، ولا تتركوهم على ما هم عليه، وإن كانوا فرطوا في عدم التثبت لا تفرطوا أنتم في عدم الإصلاح، وهذا ترتيب في غاية الإعجاز.

التفسير التحليلي
﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ ﴾ يعني: فرقتان من المؤمنين

﴿ اقْتَتَلُوا ﴾ أي: حصل بينهم ما يسبب القتال، أوالاختلاف المؤدي إلى الاقتتال

وهذا في أي خلاف خيف أنه يقع منه غير القتال؛ كالمقاطعة والفجور بالخصومة والتباغض والسباب ونحو ذلك؛ فعلى البقية أن يسعوا في الإصلاح بينهم .

ولهذا قال: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) والصلح هو السعي في المؤاخاة ، وإزالة ما بينهما من العداوة، والحرص على تأليف القلوب فيما بينهم، وجمعها، وإزالة العداوة والشحناء والقطيعة.

﴿ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾ إذا قدر أن إحداهما امتنعت من الصلح، قالت: لا نقبل، ولا بد أننا نقاتلهم ؛ فإنهم اعتدوا علينا وظلمونا ؛ فلا نرضى بل لا بد أن نقاتلهم، أو ما أشبه ذلك.

قوله: ﴿ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ﴾ البغي هو التعدي، ومجاوزة الحد
فهؤلاء هم الذين يقاتلون؛ يقاتلهم بقية المؤمنين حتى يرجعوا ﴿ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾ يعني حتى ترجع هذه الطائفة الممتنعة

﴿ فَإِنْ فَاءَتْ ﴾ ورجعت فعند ذلك أصلحوا بينهما ، والفيئة الرجوع، أُخذت من الفيء وهو الظل في آخر النهار؛ لأن الظل في أول النهار يكون إلى جهة الغرب لمجيء الشمس من الشرق، فإذا جاءت إلى كبد السماء وتحولت إلى المغرب تحول الظل إلى الشرق.
وهذا هو الفيء.
فكذلك من كان على طريق فرجع عنه إلى عكسه فقد فاء.
فإن فاءت عن الغي وفاءت عن الاعتداء حينئذٍ:
{ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } ؛ لا تميلوا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء

﴿ وَأَقْسِطُوا ﴾ والقسط أيضا: هو المساواة

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ ولو تقاتلوا فلا يخرجهم تقاتلهم عن كونهم مؤمنين؛ فهم إخوة لكم جميعا؛ والأخوة هاهنا الأخوة الإيمانية.
﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ جعل هؤلاء إخوانكم، وهؤلاء إخوانكم؛ مع أنهم يتقاتلون فيما بينهم؛ فلم تخرجهم هذه المقاتلة عن كونهم إخوة؛ فهم إخوتكم يعني هؤلاء وهؤلاء، وكذلك بعضهم إخوة بعض.
(أخويكم } مثنى أخ ولم يقل بين إخوانكم؛ لأن هذه الطائفة كالجسد الواحد كأنها إنسانٌ واحد وهذه الطائفة المعادية التي تقاتلها كذلك كالإنسان الواحد فأنت كأنك تصلح بين أخوين

{ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } فرحمة الله عز وجل إنما تنال بالاتفاق وبالألفة وبالأخوة وبالاجتماع.

التفسير الموضوعي
الموضوع الذي تعالجه الآيات الصلح بين المسلمين
حتمية الخلاف
تقع الخلافات بين الناس ويحدث الخصام بين جميع فئات المجتمع بين الرجل وزوجته وبين القريب وقريبه وبين الجار وجاره وبين الشريك وشريكه ، وهذا أمر طبيعي وحتمي ومشاهد لا يمكن إنكاره وأسبابه كثيرة لا حصر لها .
النار من مستصغر الشرر
وغالبا ما تكون هذه الخلافات في بداياتها اختلاف بسيط يمكن تلافيه لو أحسن الناس التصرف ولكن الشيطان الذي قال الله عنه (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم )الإسراء52
و كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم(إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم ) رواه مسلم
هذا الشيطان لن يدع هذه الفرصة تفوت عليه ولن يتوانى هو وأعوانه - النفس الأمارة بالسوء والهوى المتبع وأهل الإفساد والشر والنميمة - في التحريش بينهم و إذكاء نار العداوة والبغضاء حتى تتحول هذه الشرارة إلى فتنة عظيمة وشر مستطير لها عواقبها الوخيمة ؛ فيساء الظن ويقع الإثم وتحل القطيعة ويفرق الشمل وتهتك الأعراض وتسفك الدماء وتنتهك الحرمات.

أصدقاء الأمس أعداء اليوم
ويتحول الحال ؛ فبعد المحبة والصفاء تحل العداوة والبغضاء وبعد القرب والوصال تكون القطيعة والهجران ويصبح أصدقاء الأمس أعداء اليوم ، ويفسد ذات بينهم وتقع الحالقة التي لا تحلق الشعر ولكنها تحلق الدين كما اخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أهمية إصلاح ذات البين:
وحيث حرص الإسلام على وحدة المسلمين وأكد على أخوتهم وأمر بكل ما فيه تأليف لقلوبهم ونهى عن كل أسباب العداوة والبغضاء فقد أمر بالسعي وإصلاح ذات البين وحث عليه وجعل درجته أفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة ، وقد ورد في ذلك عدة آيات وأحاديث منها :
قال تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) الحجرات 10 .

وقال تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً). النساء: 114
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا بلى ، قال : إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة ) رواه أبو داود ، وللترمذي ( لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ) .
ويقول صلى الله عليه وسلم : ( كل سُلامى من الناس عليه صدقة كلَّ يوم تطلع فيه الشمس ، تعدل بين الاثنين صدقة ) أي تصلح بينهما بالعدل · أخرجه البخاري ومسلم .
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصدقة إصلاح ذات البين) صححه الألباني .

تعريف الإصلاح بين الناس
( هو السعي والتوسط بين المتخاصمين لأجل رفع الخصومة والاختلاف عن طريق التراضي والمسالمة تجنبا لحدوث البغضاء والتشاحن وإيراث الضغائن ) .

بعض شروط الصلح بين المتخاصمين
1. أن لا يشترط في الصلح شرطا مخالفا لحكم الله فان كان مخالفا لحكم الله فانه لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم: ( أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ) رواه البخاري
ولا يتضمن شيئا محرما كأن يكون تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما ) حديث حسن صحيح رواه أبو داود والترمذي .
2. أن يكون الصلح بتراض من الجانبين المتخاصمين لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ).
نية المسلم عند التدخل للإصلاح
1 - طلب الأجر والثواب من الله تعالى قال تعالى : ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة  أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ) النساء: 114.
2- تحقيق مفهوم الأخوة قال تعالى : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا .... ) آل عمران: 103 .
3 - الحرص على تماسك المجتمع ، وبث الألفة ، والرحمة ، و التسامح بين أفراد المجتمع المسلم ·
4 - الدعاء الجميل، والثناء الكبير، حيث ارتفعت أيدي الناس بالدعاء، ولاسيما من حُلّت له قضية، أو نفست عنه كربة، أو قدمت له مساعدة، فما أحسن أن ينام الإنسان ملء عينيه والأكف ترتفع في جنح الليل تدعو له، وتترضى عنه، وتثني عليه ·
آداب وصفات المصلح
· أن يستشعر أنها عبادة يقوم بها استجابة لأمر الله
· أن يكون ذا خلق ودين  متصفاً بالأخلاق الكريمة مبتعدا عن الأخلاق السيئة لا يغتاب ولا ينم لأن الغيبة والنميمة إفساد والإفساد والإصلاح لا يجتمعان .

· أن يتصف بروح المبادرة والحرص على نشر الخير من تلقاء نفسه
· أن يتحلى بالحلم وسعة البال والصبر والتأني وعدم العجلة.
· أن يكون ذا علم شرعي عالم بما يحل ويحرم والشروط والأحكام خاصة في مجال الخصومة.
· أن يكون خبيرا في مجال النزاع عالما بالوقائع محيطا بالقضية وملابساتها باحثا عن مسبباتها عارفا بطرق معالجة المشكلات ووضع الحلول والتسويات العادلة المقترحة  سواء كانت في مجال المشاكل الزوجية أو العقار أو الديون .
· أن يكون لطيفاً مع الناس وأن يحرص على استعمال الأسلوب الحسن والحكمة والبصيرة. والبعد عن العبارات الجارحة.
· أن يكون محايدا فيحرص على أن ينظر إليه الطرفان بوصفه شخص محايد لا يميل مع أيهما .
· أن يتحرى العدل قال تعالى : ( فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا إن الله يحب المقسطين ) الحجرات: 9
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله في رسالة صغيرة اسمها: رسالة المظالم:
(الملك يدوم مع العدل ولو لكافر، ولا يدوم مع الظلم ولو لمسلم)
لأن الظلم كما نعلم يولد حقداً في المجتمعات والأفراد إذا كانوا يتظالمون في حقوقهم وأعراضهم؛ فكل ينصب للثاني العداء، أما إذا كانت الأمانة والعدالة، وكان الناس آمنون على الدين والنفس والعقل والنسب والعرض والمال، حينها الأمة تكون في خير وعلى خير.
· المحافظة على أسرار المتخاصمين يقول الفضيل بن عياض في أهمية الستر : « المؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويفضح »
· جواز الكذب لأجل الإصلاح :

أذن الشارع للمصلح بنوع من الكذب في العبارات وفي الأمور التي توفق وتقرب وتخفف من شدة العداوة وتحببهم إلى بعض قال صلى الله عليه وسلم ( ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا ) رواه البخاري .
ومن أمثلة ذلك أن يحاول المصلح تبرير أعمال كل من المتخاصمين وأقوالهما بما يحقق التقارب ، ويزيل أسباب الشقاق والخلاف ، وأحيانا ينفي بعض أقوالهما السيئة فيما بينهما ، وينسب إلى كل منهما من الأقوال الحسنة في حق صاحبه مما لم يقله مثل أن يقول : فلان يسلم عليك ويحبك ، وما يقول فيك إلا خيرا ونحو ذلك .
في كل الخطوات على المصلح دائما بالوعظ والنصيحة وتذكير الخصوم بالعاقبة :
فيذكرهم بعاقبة الخصومة , وما تجلبه من الشقاق , وتوارث العداوات , واشتغال القلوب , وغفلتها عن مصالحها . ويذكرهم كذلك بالعاقبة الحميدة للصلح في الدنيا والآخرة , ويسوق لهم الآثار الواردة في ذلك كقوله تعالى - : ( وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) [البقرة: 237]وكقوله : ( وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ) [آل عمران: 134] وكقوله : ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) [الشورى: 40]
· وعلي المصلح أن يحسن الاستماع :
لأن كلَّ طرف من الأطراف يزعم أنه على حق ، وأن صاحبه على باطل ؛ فيحتاج كلُّ واحد منهما إلى مَنْ يَستمع إليه ، ويرفق به ، ويأخذ ويعطي معه .
بل إن بعض الخصوم يكفيه أن يفرغ ما في نفسه من غيظ ، أو كلام ؛ فيشعر بعد ذلك بالراحة ، ويكون مستعداً لما يُراد منه .
ضرورة  معرفة الأسباب الحقيقية للخصام :
فان استطاع أن يعرفها ويعالجها بشكل يرضي الطرفين كان ما بقي سهل وتضمن بذلك أن يدوم الصلح بينهما .
ومما يجدر التنبيه إليه أن أطراف النزاع قد يجدون صعوبة في تقديم المعلومات أو إيضاح الأسباب الحقيقية التي ليست في صالحهم.
فعلى المصلح اكتشافها بنفسه واختبار المعلومات المقدمة له بطريقته.
الاستعانة بمن يفيد ويرغب في إنهاء النزاع :
سواء من أقارب الأطراف، أو من أصدقائهم، أو معارفهم ، أو من له تأثير عليهم . ويُراعى في ذلك أن يكون أولئك من ذوي الرأي والبصيرة والحكمة خاصة من عرف حرصه ورغبته في الإصلاح وحسنت نيتهم وصدق حالهم.
ينبغي استقبال الخصوم بالبشاشة واللين :

ومحاولة التخفيف من حدة غضبهم ، والتغاضي عن الإساءات التي قد تحصل من بعضهم وإتباع الطرق الصحيحة في مناقشتهم وذلك باختيار الآيات والأحاديث المناسبة ،والكلمات التوجيهية .
الخصم المتعنت :
من أساليب مفاوضة الخصوم المتعنتين ومساومتهم للتخفيف من حدة مواقفهم أو التوسط في مطالبهم وشروطهم :
1. الاعتماد والتوكل على الله والصبر والتحمل .
2. الوعظ والنصيحة وتذكيره بفضيلة العفو والتسامح والصلح وبيان أجره عند الله عز وجل  وذكر الآيات والأحاديث التي تحث على ذلك .
3. الجلسات الانفرادية مع الخصم المتعنت والتدرج في عرض الصلح عليه  .
4. الاستعانة بالأقارب ممن يرغبون في الإصلاح وخاصة ممن لهم مكانة عند هذا الخصم.
5. الرفع من قيمة الخصم ، أنت من عائلة كريمة وما نسمع عنكم إلا كل خير ...أنت رجل تحفظ القرآن ، أنت رجل حججت بيت الله ....الخ
6. أيضا كذلك مناقشة الطلبات والشروط والمطالبة بترتيبها من حيث الأهمية
7. ومناقشة صحة وقوة ما يستند إليه ومدى قوة موقفه وهل من صالحه التعنت أم الصلح وبيان مزايا الصلح على القضاء وبيان موقفه لو رفع الأمر من القضاء
8. مطالبته بطرح الاقتراحات والحلول وعروض التسوية .

بعد الاتفاق والتصالح :
توثيق عقد الصلح بالكتابة والإشهاد عليه :
وإذا وقع الصلح بشروطه من شأنه أن يسقط الحقوق والدعاوى التي جرت من أجلها المصالحة
وأن يتم تنفيذ ما أتفق عليه : فلابد من الصلح المبرم بين طرفين أو أكثر من إلزام بما اتفق عليه
التأكيد على أطراف الخصومة بعدم التحدث :
بما حصل من الخصومة وألا يذكراه لكائن من كان وان يحتسب كل منها ذلك عند الله تعالى وكذلك ألا يغتاب خصمه أو يسبه أو يشتمه في حضوره أو غيابه.

اقرء المزيد

تفسير سورة الحجرات الدرس الخامس

4:53 ص 0
تفسير سورة الحجرات
(5) النهي عن السخرية واللمز والتنابزبالألقاب

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ . الحجرات 12

مناسبة الآية لما قبلها :
لما ذكر الله تعالى في الآية السابقة : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ بين أن لهذه الأخوة حقوق وواجبات ، فإذا كان المؤمنون إخوة فإنهم يجب عليهم أن يتحابوا وأن يتآلفوا ، ولا يجوز لهم التقاطع ، ولا إضرار بعضهم لبعض، بالسخرية والهمز واللمز والتنابز بالألقاب وسوء الظن والغيبة .

التفسير التحليلي
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ )السخرية: هي الاستهزاء الذي يقصد به التنقص.
﴿ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ ﴾ هؤلاء الذين تهزءون بهم عسى أن يكونوا خيرا منكم عند الله تعالى وعند عباده .
﴿ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ ﴾ يعني: ولا يسخر نساء من نساء ﴿ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ﴾ وخصت النساء بالذكر لأن السخرية في النساء بعضهن من بعض أكثر من سخرية الرجال بعضهم من بعض بسبب الغيرة، فالله عزّ وجل خصهن بالذكر لما ينتشر بينهن من الغيرة والسخرية لبعضهن .
فالمعنى ولا يسخر نساءٌ من نساء سواء كان بسبب جمالها أو بسبب مالها أو شرفها أو حسبها أو بأي سبب من الأسباب الأخرى (عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ )

السر في قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم)
المفروض أن الذي سيسخر هو فرد واحد، ولكن الله سبحانه أسند السخرية المنهي عنها إلى (قوم)،مع أن العادة جارية بأن السخرية لا تنشأ إلا من فرد واحد؛ فلماذا جاء اللفظ بالقوم ؟

لو رجعنا قليلاً لوجدنا قوله:{ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } الحجرات:9
فهنا طائفة متقاتلة مع طائفة أخرى، ولما انتهى القتال وجاء الإصلاح ، ربما يكون هناك بعض المناوشات من أفراد الطائفتين ، وقد تكون طائفة أقوى من الأخرى فتفخر عليها وتسخر من الطرف الثاني، فجاء التعبير بالقوم بناء على أنه تقدم عندنا طائفتان.
اشتراك الراضي عن الفعل في الإثم :
ولو أن شخصاً من إحدى الطائفتين سخر بالطائفة الثانية؛ فإن إسناد السخرية يكون للطائفة التي منها الشخص الذي سخر، ويكون الإسناد للمجموع لا للفرد فقط؛ لأن الواحد يتكلم باسم جماعته، ومن هنا لو أن البعض لم يسخر ولم يرض لكنه مشارك بالسكوت بمعنى أنه سمع ورضي بذلك، كما قال أبو سفيان بعد غزوة أحد وما حدث من تشويه لجثث الصحابة: ( لم آمر بها ولم تسؤني)
؛ فهذا الساكت مشارك للذي سب في الإثم، وهكذا هنا الجماعة الواحدة؛ فالذي يتكلم منهم ويسخر من الطائفة الثانية كأنه تكلم باسم الجميع، والجميع يتحمل الإثم؛ لأنه سكت ورضي.

والحاصل: أن السخرية لا تنشأ إلا من شخص واحد ، والقوم موافقون وراضون وساكتون فهم شركاء في الإثم ، أما من ينكر ذلك فقد خرج منهم.

قوله: ﴿ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ اللمز هو العيب
والسر في مجيء النهي: (وَلا تَلْمِزُوا)عقب النهي عن السخرية لأن من سخر من إنسان في نفسه لمزه بلسانه عند غيره،فهذا مترتب على ذاك.
﴿ أَنْفُسَكُمْ ﴾ فسَّر بمعنيين:
المعنى الأول: لا يلمز بعضكم بعضاً، لأن كل واحد منا بمنزلة نفس الإنسان، أخوك بمنزلة نفسك، فإذا لمزته فكأنما لمزت نفسك.
والمعنى الثاني: إن المعنى لا تلمز أخاك، لأنك إذا لمزته لمزك، فلمزك إياه سبب لكونه يلمزك، وحينئذ تكون كأنك لمزت نفسك، وعليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من لعن والديه» فقالوا: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه»رواه البخاري

قوله تعالى: ﴿ وَلاتَنَابَزُوا بِالألْقَابِ ﴾ اللقب: هو الاسم الذي يشعر بذم أو بمدح، يذكر تارة للتعريف وتارة للتنقص، وإذا كان للتنقص وكان ذلك المسمى به يكرهه؛ فلا يجوز أن يذكر به.

قوله تعالى : ﴿ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ﴾ يعني بئس لكم أن تنقلوا من وصف الإيمان إلى وصف الفسوق، فإذا ارتكبتم ما نهى الله عنه صرتم فسقة،  فلا تجعل نفسك بعد الإيمان فاسقاً.

قوله تعالى : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ وعيد شديد؛ كأنه يقول: توبوا من هذه السخرية، وتوبوا من هذا اللمز، وتوبوا من هذا التنابز، فإذا لم يتب أحدكم واستمر على ذلك اعتبر من الظالمين

التفسير الموضوعي
تضمنت الآية الكريمة النهي عن ثلاثة أمور وهي :
1- النهي عن السخرية
2- النهي عن سب الغير
3- النهي عن التنابز بالألقاب
أولا / النهي عن السخرية

الناس يتفاضلون في العلم، فبعضهم أعلم من بعض ، وهم يتفاضلون في الرزق، فمنهم من بسط له في رزقه، ومنهم من قَدَرَ عليه في رزقه، وهم يتفاضلون في الأخلاق، فمنهم ذوو الأخلاق الفاضلة العالية، ومنهم دون ذلك، وهم يتفاضلون في الخلقة، منهم السوي الخلقة، ومنهم من دون ذلك، ويتفاضلون كذلك في الحسب، منهم من هو ذو حسب ونسب، ومنهم دون ذلك، فهل يجوز لأحد أن يسخر ممن دونه في العلم أوالمال، أو الخُلُق، أوالخلقة، أوالحسب، أوالنسب؟

أليس الذي أعطاك الفضل هو الله الذي حرمه هذا - في تصورك – فلماذا السخرية إذن ؟
ولهذا قال - عز وجل -: {عسى أن يكونوا خيراً منهم } رب ساخر اليوم مسخور منه في الغد، ورب مفضول اليوم يكون فاضلاً في الغد .

وهذا شيء مشاهد، ويروى: «من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله»
وقيل أيضا: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك»
ونضرب لذلك مثلاً من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتكلم عن احتقار المسلم يعني أن مجردَ وقوع الإنسان في المعصية هذا لا يدفع المسلم إلى أن يحتقره وأن يزدريه .
كان هناك رجلٌ من الصحابة يشرب الخمر كثيراً فيشرب الخمر ثمَّ يُؤتى به فيُجلد فيرجعُ مرةً أخرى ويشرب الخمر ثمَّ يُجلد فجيء به وقد شرب الخمر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يجلدوه فقال أحد الصحابة: "لعنه الله ما أكثر ما يُؤتى به"
يعني في كلِّ مرةٍ يُجلد ويشرب الخمر ألا يتقي الله ألا يستحي من نفسه فلعنه غضباً لله عز وجل!!

فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الكلمة، قال "لا تلعنه فإنه يحبُ الله ورسوله"
رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم لعنَ في الخمر عشرة منهم شاربها، وهذا الصحابي إنما قالها حمية لله عز وجل.
إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن أمرٍ في قلب هذا الإنسان بإخبار الله عز وجل وإطلاعه لنبيه عليه، وهو محبة هذا الصحابي الذي كان يشرب الخمر لله عزَّ وجل وللنبي صلى الله عليه وسلم فكانت هذه المحبة منعت من لعنه.

فكذلك الإنسان قد ترى أنت إنساناً صاحب معصية ومخالفةٍ لأمر الله عز وجل فتأخذك الحمية فتقول كلمةً والأشد من ذلك هو احتقارك لهذا المسلم .

وكما نعلم أن الإيمان قولٌ وعمل يدخل فيه الأعمال الظاهرة ويدخل فيه أعمال القلوب وتفاوت العباد الحقيقي بما في قلوبهم من محبة الله عز وجل ومن خشيته ومن رهبته ومن مراقبته ومن شكره ومن التوكل عليه والإنابة إليه والحياء منه سبحانه وتعالى، فهذه الأعمال التي في القلوب لا تطلع عليها أنت ولا يطلع عليها غيرك، فربما تزدري الإنسان وتحتقره بحسب ما ظهر لك من أعماله الظاهرة هذا إذا كان عمله مخالفةً لأمر الله عزّ وجل ولكن يخفى عليك ويغيب عنك شيءٌ عظيم من أعمال القلوب التي تكون في قلب هذا الإنسان.
إذن علينا أن نحترز من احتقار الآخرين ومن ازدرائهم، فكيف إذا كان هذا الاحتقار والازدراء مبنياً على أمرٍ من أمور الدنيا ليس غضباً لله عز وجل يعني إنسان يحتقر إنسانا لأنه قبيحٌ في منظره، أو لأن ثيابه رثة (بالية قديمة ) أو فقير أو جاهل ، هذه كلها لا قيمة لها في ميزان الله عز وجل.

فاحتقار المؤمنين ليس من خلق أهل الإسلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره"
وقال: " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم "

يعني يكفيك من الشر الذي تستحق عليه العقوبة من الله عز وجل أن تحتقر أخاك المسلم، هذا يكفيك لا تحتاج معه لذنب آخر وهذا يدل على أن احتقار المؤمنين كبيرة من الكبائر .

(عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ)، الخيرية هذه لها جهتان:خيرية في الدنيا، وخيرية في الآخرة.
عسى أن يكونوا خيراً منهم عند الله، أنت تسخر منه وهو خير منك عند الله،  كما جاء عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنه قال :
( مرّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لرجل عنده جالس : ما رأيك في هذا ؟ فقال : رجل من أشراف الناس هذا والله حريُّ إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يُشفع .
قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم مرّ رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما رأيك في هذا ؟ فقال : يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا يُنكح وإن شفع أن لا يشفّع وإن قال أن لا يُسمع قوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا ) رواه البخاري .

وهذا عبد الله بن مسعود كان رضي الله تعالي عنه – خفيف اللحم قصير القامة يروي  زر بن حبيش عن ابن مسعود أنه كان يجتني سواكا من الأراك وكان دقيق الساقين فجعلت الريح تكفؤه فضحك القوم منه! فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : مم تضحكون؟! قالوا يا نبي الله من دقة ساقيه، فقال ( والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد)
هذه الخيرية عند الله(أخروية )
لكن وإن قال المفسرون هذا ولكن أقول قد يكون هذا في الدنياأيضا؛ أنت غني تسخر من فقير، وما يدريك أن هذا الفقير على مكارم الأخلاق، وأحسن العادات صدوق في الحديث، وفيّ في العهود، محافظ على أوامر الله، يقيم الصلاة، يصوم رمضان، بينما أنت مفرط في بعض ذلك.
قد تسخر منه لصحتك وهو مريض، وما يدريك لعله في مرضه يقوم الليل ويناجي ربه، وأنت غارق في النوم.
إذاً: قد تكون الخيرية في الدنيا بجوانب أخرى، أنت استنقصته بفقره والله عوضه من ذلك، ولهذا جاء عن الإمام علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن الله تعالى قسم العطاء على الخلق، ولو نظرت في أحوال الناس لوجدتهم من حيث العطاء سواء)
قد تقول: كيف هؤلاء متساوون: هذا فقير وهذا غني، وهذا صحيح وهذا مريض، قال: (إن أعطى هذا مالاً ومنعه من هذا، فقد يعطي هذا راحة بال وطمأنينة نفس خير من مال هذا)، قد يكون المال مشغلاً لصاحبه، مقلقاً له، مؤرقاً إياه، ولكن هذا راض بما قسم الله له، والرضا عطاء من عند الله، فيبيت مطمئناً راضياً قانعاً، فيكون أسعد حالاً، وقد يعطي الله هذا مالاً ويمرض هذا ويعطيه من الحكمة والعلم ما يساوي مئات المرات مما أعطى هذا من صحة ومال.
وكما جاء عن عروة بن الزبير : أنه أصيبت ساقه، فجاء الطبيب فقال: لابد من بترها حتى لا يتفشى المرض في باقي الجسم فتقضي على حياتك، فقطعت الرجل، وكان الناس يأتون يسلمون عليه ويعزونه في رجله،وكان يغطي رجله عن الناس ، فدخل عليه أناس من أصحابه الأخصين، فقال لابنه:(اكشف عن رجلي ليراها فلان، فنظر إليه فضحك، قال: ما يضحكك على هذه المصيبة؟ قال: نحن ما أعددناك للسباق والصراع، ولكن أعددناك للعلم والفقه -وكان عروة أحد الفقهاء السبعة- قال: والله ما عزاني أحد فيها كما عزيتني أنت)
فلئن ذهب جزء من الساق أو الساق بكاملها فقد أعطاه الله سبحانه وتعالى من العلم والحكمة ما يفوق على الدنيا وما فيها.
إذاً: عسى أن يكونوا في الدنيا بجوانب أخرى خيراً منكم؛ فلا يسخر قوم من قوم.
إذا رأى الإنسان من نفسه تطلعاً أو تطاولاً وجاء الشيطان وأغراه فليقمع الشيطان عنه، وليعلم بأن هناك صفات أخرى إما معنوية أو حسية هي خير مما يسخر به هذا الإنسان.
إذاً: فالأحمق وغير العاقل هو الذي يسخر من أخيه الإنسان.
ألفقره وغناك تسخر منه؟ فالغنى ليس بمحض جهدك بل الله سبحانه وتعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، لينظر هل يشكر أم يكفر، يصبر أم يضجر؟ فهو عطاء من عند الله، والصحة كذلك ليست من جهدك ولا من عطائك، وهكذا لا ينبغي لعاقل قط أن يسخر من إنسان آخر رآه في حسبانه هو أنه منقصة في هذا الشخص الآخر .

الفرق بين السخرية والاستهزاء:
إن بين السخرية والاستهزاء فرقا من جهتين :
الأولى السخرية تكون بالفعل وبالقول،
والاستهزاء لا يكون إلا بالقول.
الثانية أن السخرية يسبقها عمل من أجله يسخر بصاحبه أما الأستهزاء فلا يسبقه ذلك.
فالاستهزاء يكون بالقول المصحوب بسوء النية، وهو إظهار الجد وإخفاء الهزل فيه.
السخرية والاستهزاءوجراثيم العجب والكبر
إن السخرية والاستهزاء لا ينبعثان إلا من نفس ملوَّثة بجراثيم العُجْبِ والتكبُّر، فهي تعمل على إيذاء من حولها بدافع الشعور بالفوقية المتغلغلة في أعماقها المريضة.
إنها داء من أدواء الجاهلية يجب تجنبه والبعد عنه وخصوصا عند المشاحنة والخصومة ، لأن من شأنها أن تفكك عرى المجتمع ويكفى أنها مخالفة صريحة لأمر الله عز وجل،ومبعدة من رضوانه سبحانه .
ثانيا /النهي عن سب الغير :
وفي الآية أيضا تحريم عيب المؤمنين بعضهم بعضاً، فلا يجوز لك أن تعيب أخاك بصفة خَلْقية أو صفة خُلُقية.
أما الصفة الخَلْقية التي تعود إلى الخلقة فإن عيبك إياه في الحقيقة عيب لخالقه - عز وجل - فالذي خلق الإنسان هو الله عز وجل، والذي جعله على هذه الصفة هو الله عز وجل، والإنسان لا يمكن أن يكمل خِلقته فيكون الطويل قصيراً، أو القصير طويلاً، أو القبيح جميلاً، أو الجميل قبيحاً؟ فأنت إذا لمزت إنساناً وعبته في خلقته فقد عبت الخالق في الواقع، ولهذا لو وجدنا جداراً مبنيًّا مائلاً وعبنا الجدار فعيبنا لباني الجدار، إذن إذا عبت إنساناً في خلقته فكأنما عبت الخالق - عز وجل –

قال رجل لحكيم ياقبيح الوجه فقال :ما كان خلق وجهي إلى فأحسنه!!!


أما عيبه بالخُلُق بأن يكون هذا الرجل سريع الغضب، شديد الانتقام، بذيء اللسان، فينبغي إذا وجدت فيه سوء خُلُق فالواجب النصيحة، أن تتصل به إن كان يمكن الاتصال به، وتبين له ما كان به من عيب، أو أن تكتب له رسالة .

3- النهي عن التنابز بالألقاب :

{ولا تنابزوا بالأَلقاب  } يعني لا ينبز بعضكم بعضاً باللقب، فتقول له مثلاً: يا فاسق، يا فاجر، يا أسود، يا نحيف،ياأعرج؛ لا تفعل هذا؛ لأنك إذا نبزته باللقب فإما أن يكون اللقب فيه، وإما أن لا يكون فيه؛فإن كان فيه فقد ارتكبت هذا النهي
وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه وارتكبت النهي أيضاً .



والألقاب على ثلاثة أنواع:
1- قسم يكرهه الإنسان ويبغضه، وهو ما يعير به، فهذا يحرم التسمية به أو النداء. بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم غير ألقاب بعض أصحابه وأسماءهم، فسمى العاص: عبد الله، وشهابا: هشاما، وسمى حربا سلما.
2- قسم يحبه صاحبه كأبي تراب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث لقبه الرسول صلى الله عليه وسلم به.
قال سهل بن سعد: ما كان اسم أحب إلى علي أن يدعى به من أبي تراب.
فهذا لا يكره.
3- وقسم غلب عليه الاستعمال، كالأعرج والأعمش، مما اشتهر من أسماء الأشخاص والعائلات ، فهذا جائز بشرط ألا يقصد قائله التعيير واللمز ونحوه
وعلى هذا المعنى ترجم البخاري - رحمه الله - في كتاب الأدب من الجامع الصحيح في (باب ما يجوز من ذكر الناس نحو قولهم: الطويل والقصير لا يراد به شين الرجل) قال: وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: "ما يقول ذو اليدين".
قال الزمخشري: ولهذا كانت التكنية من السنة والأدب الحسن، قال عمر رضي الله عنه أشيعوا الكنى فإنها منبهة.
ولقد لقب أبو بكر بالعتيق والصديق، وعمر بالفاروق، وحمزة بأسد الله، وخالد بسيف الله، وقل من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب، ولم تزل هذه الألقاب الحسنة في الأمم كلها - من العرب والعجم - تجري في مخاطباتهم ومكاتباتهم من غير نكير.
وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما :
وينبغي على المسلم أن يقابل الإساءة بالإحسان والجهالة بالحلم فذاك يرفع قدره عند الله ، ولا يلتفت لكل من جهل عليه .
قال علي بن يزيد‏:‏ أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز القول فأطرق عمر زماناً طويلاً ثم قال‏:‏ أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً
كما أن سلمان لما شتم قال‏:‏ إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول‏.‏
فقد كان همه مصروفاً إلى الآخرة فلم يتأثر قلبه بالشتم‏.‏
وكذلك شتم الربيع بن خثيم فقال‏:‏ يا هذا قد سمع الله كلامك وإن دون الجنة عقبة إن قطعتها لم يضرني ما تقول وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول .
وسب رجل أبا بكر رضي الله عنه فقال‏:‏ ما ستر الله عنك أكثر
وسب رجل الشعبي فقال‏:‏ إن كنت صادقاً فغفر الله لي وإن كنت كاذباً فغفر الله لك‏.‏
ومر المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام بقوم فقالوا له شراً فقال لهم خيراً فقيل له‏:‏ إنهم يقولون شراً وأنت تقول خيراً فقال‏:‏ كل ينفق مما عنده‏.‏
وكان الشيخ الشعراوي يتعرض للسب والغمز من بعض الكتاب والصحافيين فلما كلموه في الرد عليهم قال لن أعطيهم شرف الرد عليهم.
ورحم الله من قال :
يخاطبني السفيه بكل قبحٍ          و آبى أن أكون له مجيباً
يزيد سفاهةً و أزيد حلماً            كعودٍ زاده الإحراق طيباً
وآخر يقول:
إذا نطق السفيه فلا تجبه        فخير من إجابته السكوتُ
إذا جاوبته فرجت عنه         و إذا خليته كمداً يموتُ

اقرء المزيد

إعلان أسفل التدوينة

إعلانك هنا